فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 123

بِهِ [المائدة: 13] (1) ، وأنهم: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46] إلى آخر ما دمغهم الله تعالى به من صفات السوء.

ومع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - رأى صحيفة من التوراة في يد عمر بن الخطاب، فغضب وقال: «أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا - أي: أمتحيّرون في ملتكم - يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟! لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي» .

فكيف مع هذا تساهل المسلمون في الأخذ عن أهل الكتاب وعن بني إسرائيل على الخصوص؟ يبدو لي أن هناك سببَين لهذا التساهل:

أولهما: ما فهموه من حديث البخاري عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: «بَلِّغُوْا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيْلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» . وقد ذكره ابن كثير في مقدمة تفسيره مستدلا به على جواز التحدث عنهم فيما لا نعلم كذبه من ديننا.

وسبب آخر جعلهم يروون هذه الإسرائيليات في التفسير، وهو أن كثيرا منها يتعلق بأمور مسكوت عنها، ليست مما علم المسلمون صحته مما بأيديهم مما يشهد له بالصدق، ولا مما علموا كذبه بما عندهم مما يخالفه. ولكنها أشياء لا من هذا القبيل ولا ذاك، فلا تصدق، ولا تكذب، وتجوز على هذا حكايته، وغالبها مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني.

قال الحافظ ابن كثير في مقدمة تفسيره - وهو منقول من رسالة شيخه ابن تيمية:"ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك. كما يذكرون في مثل أسماء أصحاب الكهف ولون كلبهم! وعدتهم، وعصا موسى من أي شجر كانت؟ وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم. ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز. كما قال تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف:] إلى آخر الآية."

(1) في المصحف: {وَنَسُوا} وترك من الآية {واو العطف} من أجل محل الإعراب هنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت