فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 123

وقد عقّب على ذلك العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر - رحمه الله - فقال وأحسن فيما قال:"إن إباحة التحدث عنهم فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه - شيء، وذكر ذلك في تفسير القرآن، وجعله قولا أو رواية في معنى الآيات، أو في تعيين ما لم يعين فيها، أو في تفصيل ما أجمل فيها - شيء آخر، لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله، ما يوهم أن هذا الذي لا نعرف صدقه ولا كذبه مبين لمعنى قول الله - سبحانه - ومفصل لما أجمل فيه! وحاشا لله ولكتابه من ذلك."

وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ أذن بالتحدث عنهم - أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم. فأي تصديق لرواياتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب الله، ونضعها منه موضع التفسير أو البيان؟ الله غفرا.

وقد قال الحافظ ابن كثير نفسه في تفسير الآية 50 من سورة الكهف، بعد أن ذكر أقوالا في"إبليس"واسمه، ومن أي قبيل هو؟:"وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها. ومنها ما قد يقطع بكذبه، لمخالفته للحق الذي بأيدينا. وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة، لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين - كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء، والسادة والأتقياء، والبررة والنجباء" (1) .

وقال في أول سورة {ق} :"وقد روي عن بعض السلف أنهم قالوا: ق: جبل محيط بجميع الأرض، يقال له جبل قاف!! وكأن هذا - والله أعلم - من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، بما رأى من جواز الرواية عنهم، مما لا يصدق ولا يكذب، وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبسون به على الناس أمر دينهم. كما افترى في هذه الأمة - مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها - أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما بالعهد من قدم. فكيف بأمة إسرائيل، مع طول المدى، وقلة الحفاظ النقاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه وتبديل كتب الله وآياته - وإنما أباح الشارع في الرواية عنهم في قوله: «وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيْلَ وَلَا حَرَجَ» فيما قد يجوزه العقل. فأما فيما تُحِيْله"

(1) عمدة التفسير (1/ 15) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت