المروية عن ابن عباس، وقتادة، والسدي، ومجاهد، وكعب الأحبار، وغيرهم من مفسري السلف، وكلها مما لا يقبله عقل، ولا يصدقه نقل، وقد ذكر حديثا منها رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس - ثم قال: إسناده إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - قوي، ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس - رضي الله عنهما - إن صح عنه، من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان - عليه السلام - فالظاهر أنهم يكذبون عليه .. إلى أن قال:
"وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف - رضي الله عنهم - كسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم، وجماعة آخرين، وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب" (1) .
فَلِمَ إذن تسويد الصفحات، وإضاعة الأوقات فيما لا يسنده علم ولا هدى ولا كتاب منير؟ وقد قال ابن كثير عند تفسير الآيات 51 - 56 من سورة الأنبياء:"والذي نسلكه في هذا التفسير، الإعراض عن كثير من الأحاديث الإسرائيلية، لما فيها من تضييع الزمان، ولما اشتمل عليه كثير منها الكذب المروج عليهم .."، وليته أعرض عنها كلها، لا عن كثير منها، فإن القليل منها إثمه أكبر من نفعه.
ومن الكلمات البليغة المعبرة عن الإنكار والسخط على هذه الإسرائيليات ووجوب تنزيه القرآن عنها:
كلمة لابن عباس رواه البخاري في صحيحه، ونقلها عنه الحافظ ابن كثير، عند تفسير الآية 79 من سورة البقرة، فقال ابن عباس:"يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل الله على نبيّه أحدث أخبار الله، تقرأونه محضا لم يشب! وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيّروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله، ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟! ولا والله، ما رأينا منهم أحدا قط سألكم عن الذي أنزل إليكم؟!".
وهذه الموعظة القوية الرائعة، رواه البخاري في ثلاثة مواضع من صحيحه (2) .
(1) تفسير ابن كثير (4/ 34 - 37) .
(2) مقدمة عمدة التفسير (1/ 19) .