وثالث هذه الأسلحة هو: العلم أو الثقافة، فهذه هي العُدّة الفكرية للداعية بجوار العُدة الروحية والأخلاقية، والدعوة عطاء وإنفاق، ومن لم يكن عنده علم ولا ثقافة، كيف يعطي غيره، وفاقد الشيء لا يعطيه، ومن لم يملك النصاب، كيف يزكي؟
وحديثنا في هذا البحث عن هذا الجانب خاصة: الجانب الفكري أو الثقافي المطلوب للداعية المسلم - كيف يعدّ الداعية نفسه - أو كيف نعدّه نحن الإعداد الثقافي المنشود؟
وبعبارة أخرى: ما الثقافة اللازمة للداعية إن أردنا أن ننشئ مدرسة للدعاة، أو كلية للدعوة، أو أراد أحدنا أن يكون من نفسه داعية قادرا على التوجيه والتأثير؟
إن الجواب عن هذا السؤال هو موضوع هذا البحث الذي أعددْتُه في الأصل للمؤتمر العالمي الأول، لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة، الذي دَعَتْ إليه الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في صفر 1397 هـ. وقد كنت أردته مختصرا، فطال بالرغم مني، ولعل في ذلك الخير، فالموضوع تتطلبه الحاجة اليوم، وبخاصة، أن أكثر من كليةٍ للدعوة أنشئت وتنشأ في عالمنا الإسلامي.
ولقد تبيّن لي أن الداعية في حاجة إلى مجموعة من الثقافات، هي:
1 -الثقافة الإسلامية.
2 -الثقافة التاريخية.
3 -الثقافة الأدبية واللغوية.
4 -الثقافة الإنسانية.
5 -الثقافة العلمية.
6 -الثقافة الواقعية.
والمطلوب من الداعية الناجح أن يتمثل هذه الثقافات ويهضمها، ويكون منها مزيجا جديدا طيبا نافعا أشبه شيء بالنحلة التي تأكل من كل الثمرات، سالكة سبل ربها ذللا، لتخرج منها بعد ذلك شرابا مختلفا ألواته، فيه شفاء للناس، كما أن فيه آية لقوم يتفكرون.
وسأتحدث عن كل واحدة من هذه الثقافات الستّ بما يفتح الله به، ويتسع له المقام، وبالله التوفيق.
الدوحة، 18/ 12 / 1396 هـ
د. يوسف القرضاوي