هذا كلام ابن الجوزي وقد توفي في أواخر القرن السادس سنة 597 هـ، فماذا يقول لو أنه عاش حتى شاهد عصرنا؟!
على أية حال، لا ريب أن الأحاديث الواهية والموضوعة قد كدرت صفاء الثقافة الإسلامية، ودخلت كثيرا من فروعها، وتسللت إلى كثير من الكتب، في مختلف الفنون من التفسير والتصوف والرقائق، حتى كتب الفقه والأحكام، وكثير من كتب الحديث نفسها. ومن ثَمَّ، دخلت على كثير من الدعاة - وبخاصة ذوو الطابع الشعبي منهم - آفة الاستشهاد بهذا النوع من الأحاديث، لما فيها من الغرائب والمبالغات التي ترضي أذواق العوام، وتستل إعجابهم. وقلما أسمع خطيبا من خطباء الجمع، أو مدرسا يدرس في مسجد، أو محدثا يحدث في الإذاعة، إلا يروي حديثا أو أكثر من هذه الأحاديث المردودة .. بل كثيرا ما أقرأ فيما تكتبه بعض المجلات، بل فيما تحويه بطون بعض الكتب العصرية، أحاديث تخالف العقول، أو تباين النقول، أو تناقض الأصول. وإذا لم تكن الأحاديث موضوعة، وجدتها واهية واهنة كبيت العنكبوت.
وكثيرا ما يستند هؤلاء إلى ما اشتهر من أن الحديث الضعيف تجوز روايته في فضائل الأعمال والقصص والترغيب والترهيب ونحو ذلك.
ونحب أن ننبّه هنا إلى عدة أمور:
الأول: أن هذا الرأي غير متفق عليه، فهناك من الأئمة المعتبرين مَن رفض الأخذ بالضعيف في كل مجال، سواء فضائل الأعمال وغيرها. وهو مذهب يحيى بن معين، وجماعة من الأئمة، والظاهر أنه مذهب البخاري الذي دقق أبلغ التدقيق في شرائط قبول الحديث، ومسلم الذي شنع في مقدمة صحيحه على رواة الأحاديث الضعيفة والمنكرة، وتركهم الأخبار الصحيحة. وهو الذي مال إليه القاضي أبو بكر بن العربي رأس المالكية في عصره، وأبو شامة رأس الشافعية في عصره أيضا، وهو مذهب ابن حزم وغيره.
الثاني: أنه إذا وجد في الصحيح والحسن ما يتضمن المعنى المراد تعليمه أو التذكير به، فلا معنى للّجوء إلى الضعيف والواهي، فقد أغنى الله بالجيد عن الرديء، وقلما يوجد معنى ديني أو خلقي أو توجيهي لا يوجد في الصحاح والحسان ما يوفيه. ولكن قصور الهمم، وضيق العطن، وأخذ أي شيء يجيء