فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 123

ومثل ذلك، القولُ بأن الربا إنما حُرِّم، لأنه استغلال لحاجة الفقراء لمصلحة الأغنياء.

فهذا التعليل إنما ينطبق على صورة معيّنة من الربا، عرفها الناس في كثير من الأزمان، ولا يزالون يعرفونها إلى اليوم، وهي صورة الإنسان الضعيف الذي تنزل به حاجة لنفسه أو لأسرته، فلا يستطيع سدّها إلا بالاستقراض والاستدانة، ولا يجد من يقرضه إلا المرابي الغني الذي يشترط عليه أن يعيد العشرة أحد عشر أو اثنى عشر أو أقل أو أكثر.

وهذه صورة محدودة تكاد تنقرض.

ويكاد يكون الذين يستقرضون الآن من المصارف وبيوت المال هم الأغنياء وكبار التجار الذين يريدون أن يوسعوا تجاراتهم، أو يزيدوا من ثرواتهم، يستقرضون مئات الألوف، بل الملايين، لبناء العمارات الشاهقة، أو استيراد السلع المربحة.

وقد يودع بعض الناس من محدودي الدخل شيئا مما يدخرونه بعد نفقاتهم لدى المصارف"البنوك"تعطيهم مقابل ذلك فوائد محددة 5 % أو أقل أو أكثر، فآخذ الفائدة - وبعبارة أخرى: آكل الربا - هنا هو الفرد الضعيف، ومعطي الفائدة - ومؤكل الربا - هو المصرف - البنك - القوي الغني المتمكن.

وهذا ما جعل بعض المشتغلين بالفقه في عصرنا - الذين حصروا حكمة التحريم فيما أشرنا إليه، يجترئون على القول بأن الفوائد في عصرنا ليست هي الربا الحرام، لأنها في الصورة المذكورة - استفادة للفقراء من الأغنياء - أصحاب البنونك -. ولهذا كان لا بد من تعليل آخر، وتوجيه آخر. وأوجّه التعليل هنا كثيرة تراجع في مظانها (1) .

(1) يراجع في ذلك على سبيل المثال: ما كتبه في ذلك: د. محمد عبد الله دراز، ومحمد أبو زهرة، وسيد قطب، رحمهم الله، وما كتبه: أبو الأعلى المودودي، ود. عيسى عبده، ود. محمود أبو السعود - مدّ الله في أعمارهم - وغيرهم من الكتاب المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت