فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 123

على أن هناك حكمة جلية في إخفاء الله - تعالى - بعض حِكَمه وأسرار شرعه وخلقه عنا نحن المكلفين. وذلك لِيَتمّ الابتلاء، وتظهر حقيقة العبودية للخالق. ويعرف من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، ويتبيّن من يطيع ربه، ومن لا يطيع إلا عقله، فهنا، مفرق طريق بين المؤمن وغير المؤمن.

والمؤمن يقول: إذا ثبت الأمر أو النهي من ربه: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] ، فهم الحكمة الجزئية في هذا الأمر أم لم يفهم، أدرك السر أم لم يدرك، حسبه أن يؤمن أن الله لا يأمره إلا بما ينفعه، ولا ينهاه إلا عما يضره، ولو كان لا يمتثل لأمر إلا لما يدرك عقله بتفاصيل الحكمة فيه، لكان حينئذ مطيعا لعقله لا لربه.

أما غير المؤمن، فلا يستبعد منه أن يأتيه الأمر فيقول: سمعنا وعصينا. وذلك جامعا ومانعا، وقام عليه البرهان، وإلا، عرض نفسه للاعتراضات من هذا وذاك، ومن هنا وهناك.

وقد وقف أحد الدعاة يتحدث عن جريمة الزنا، وهي إحدى الكبائر في الإسلام، فحصر حكمة التحريم في منع اختلاط الأنساب.

وهنا قام له من يقول: لا حرج إذن على الحامل أن تزني، ولا حرج على المرأة العقيم، ولا على من تتناول أقراص منع الحمل، إذ لا خوف على واحدة من هؤلاء أن تحمل وتلد، حتى يحدث اختلاط الأنساب، بل المرأة الأيم - التي لا زوج لها، بكرا أو ثيبا - إذا اتخذت خدنا لها لا يباشرها غيره، فإنها إذا حملت منه يكون نسب حملها معروفا غير مختلط ولا مجهول.

ومن هنا، كان الحذر واجبا في إلقاء هذا النوع من الحِكَم والتعليلات، فلا تقال للناس إلا بعد دراسة وتثبت، وإلا، اكتف بالحِكَم الإجمالية العامة، اقتداء بالقرآن في مثل قوله في تعليل النهي عن الزنا: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت