وقالت عائشة - رضي الله عنها:"رَوَوْا أَوْلَادَكُمْ الشِّعْرَ، تَعْذُبْ أَلْسِنَتُهُمْ".
وقال المقداد بن الأسود:"ما كنت أعلم أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم بشعر ولا فريضة (علم المواريث) من عائشة - رضي الله عنها -".
وروى عنها ابن أبي مليكة: أنها كانت تنشد قول لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ÷ وبقيت في خلف كجلد الأجرب
وتقول: رحم الله لبيدا .. فكيف لو أدرك زماننا هذا؟!
ثم قالت: إني لأروي ألف بيت له، وإنه أقل ما أروي لغيره.
وكان ابن عباس من أروى الناس للشعر، حتى حكوا أنه كان يحفظ رائية عمر بن أبي ربيعة، وكان يستند إلى الشعر في تفسيره للقرآن، كما يعرف ذلك من محاورته لنافع ابن الأزرق.
وقال الشعبي أحد أئمة التابعين بالكوفة: ما أنا لشيء من العلم أقل مني رواية للشعر، ولو شئت أن أنشد شعرا شهرا، لا أعيد بيتا .. لفعلت!
ويروى أن زيادا بعث بولده إلى معاوية، فكاشفه عن فنون من العلم، فوجده عالما بكل ما سأل عنه، ثم استنشده الشعرـ فقال: لم أرو منه شيئا. فكتب معاوية إلى زياد: ما منعك أن تروّيه الشعر؟! فوالله، إن كان العاق ليرويه فيبرّ، وإن كان البخيل ليرويه فيسخو، وإن كان الجبان ليرويه فيقاتل.
وهذا يدلنا على مقدار ما للأدب عامة، وللشعر خاصة، من تأثير في النفس البشرية، كما يدلنا على أن العناية بالأدب، والتضلع منه، والاطلاع على مصادره، والحرص على تقييد أوابده، وترديد فرائده، والاستفادة منها عند الحاجة، أمر لازم للداعية الناجح.
ولا غرو أن جعل الله الآية الكبرى، والمعجزة العظمى، لخاتم رسله آية أدبية، ومعجزة بيانية، أثّرت في خصومها وأنصارها على سواء: القرآن الكريم، وذلك لينبّهنا على قيمة الأدب، ومنزلة البيان.
ولنضرب لذلك مثلا: هب أنك تتحدث عن صلة الرحم، وبرّ ذوي القربى، وذكرت ما تيسر في الموضوع من الكتاب والسنة، أفلا يكون مما يوسع أفق حديثك ويزيده تأثيرا على تأثير، أن تذكر بعض ما حفلت به كتب الأدب في ذلك من شعر ونثر؟ .. فمن ذلك قول علي: