و صار أهل الحقّ - و هم أوسط الناس و أعدلهم - إلى إعمال الدليل ، و التماس العذر للعالم في زلّته ، و التأدّب في ردّ مقالته و عَدَم المبالغة في تعظيم العالِم ( المستَفتَى و غيرِه ) بأخذ كلّ ما يصدُر عنه ، أو اعتقاده إصابَتَه الحقَّ في كلّ ما يُفتي فيه أو يُخبِر به ، لأنَّه من بني البَشر ، ( و كلُّ بني آدَم خطّاء ، و خير الخطائين التوّابون ) كما أخبر - صلى الله عليه وسلم - [ فيما رواه الترمذي و ابن ماجة و أحمد بإسنادٍ حسن ] ، و العالِم في هذا كغيره ؛ معرَّضٌٌٌ للخطأ ، و الوَهمِ ، و النسيان .
و لخطورة زلات العلماء عليهم و على الأتباع ، رأيت أن أضع بين يدي القارئ الكريم جملة مسائل ذات صلة بموضوعها ، مرتّبةً في مقاصد على النحو التالي:
المقصد الأول
في بيان المقصود بزلّة العالم
أقْدَمُ ذكر لزلات العلماء - فيما وقفت عليه - جاء في سنن أبي داود ، حيث روى عن معاوية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الغلوطات [ رواه أبو داود في سننه ( 3171 ) بإسناد ضعيف ] .
قال الخطابي: الأغلوطات جمع أغلوطة: أفعولة من الغلط كالأحدوثة و الأعجوبة ... يقال: مسألة غَلوطٌ إذا كان يُغلَط فيها ، كما يقال: شاة حلوب ، و فرس رسوب ، فإذا جعلتها اسمًا زدت فيها الهاء ، فقلتَ: غلوطة كما يقال حلوبة و ركوبة ... قال الأوزاعي: و هي شرار المسائل , و المعنى أنه نهى أن يعترض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط ليستزلوا بها , و يسقط رأيهم فيها . [ عون المعبود: 10 / 64 ] .
كما ذُكِرَت زلات العلماء في معرِض التحذير منها فيما روي عن عدد من الصحابة ، منهم عمر بن الخطّاب ، و معاذ بن جبل ، رضي الله عنهما ، و سيأتي ذكرُها لاحقًا إن شاء الله .
و أصل الزلّة و الزَّلَل في اللغة من زلَّ يزِلُّ ، إذا انحَرفَ عن مساره ، أو نَزَل عن مستواه .
قال لبيد بن ربيعة [ كما في معجم البلدان: 4 / 108 و 224 ] :