و رويَ عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: ( ويل للأتباع من عثرات العالم ) . قيل: و كيف ذاك ؟ قال: ( يقول العالم شيئًا برأيه ثم يجد من هو أعلم منه برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيترك قوله ذلك ، ثم يمضي الاتباع ) [ الموافقات ، للشاطبي: 3 / 318 و الفتاوى الكبرى ، لابن تيميّة: 6 / 96 ] .
و عند الدارمي عن محمد بن واسع قال: كان مسلم بن يسار يقول: ( إياكم و المراء فإنها ساعة جهل العالم و بها يبتغي الشيطان زلته ) .
و قال الفُضيل بن عياض رحمه الله: ( إني لأرحم ثلاثة: عزيز قوم ذلّ ، و غني قوم افتقر ، و عالمًا تلعب به الدنيا ) .
و قال الإمام الذهبي رحمه الله: ( من يتتبّع رُخَص المذاهِب ، و زلاّت المجتهدين فقد رقَّ دِينه ) [ سير أعلام النبلاء: 8 / 81 ] .
و حكى الزركشي أن القاضي المالكي إسماعيل بن إسحاق الأزدي رحمه الله ، قال: ( دخلت على المعتضد ، فَدَفَع إليَّ كتابًا نظرت فيه ، و قد جمع فيه الرخص من زلل العلماء ، و ما احتج به كل منهم ، فقلت: إن مصنف هذا زنديق . فقال: ألم تصح هذه الأحاديث ؟ قلت: الأحاديث على ما رُوِيَت ، و لكن من أباح المسكر لم يبح المتعة ، و من أباح المتعة لم يبح المسكر ، و ما من عالم إلا و له زلّة ، و من جمع زلل العلماء ، ثم أخذ بها ذهب دينه ، فأمَر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب ) [ البحر المحيط: 6 / 326 ] .
و قد أحسن مَن قال:
أيُّها العالِم إيّاك الزَلَل *** و احذَرِ الهفوةَ فالخَطبُ جَلَلْ
هفوةُ العالِمِ مُستَعظَمَةٌ *** إن هَفَا يومًا أصبَحَ في الخَلْقِ مَثَلْ
إن تكُن عندَكَ مُستَحقَرةٌ *** فهيَ عِندَ اللهِ و الناسِ جَبَلْ
أنتَ مِلحُ الأرضِ ما يُصلحُهُ *** إن بَدا فيهِ فَسادٌ أو خَلَلْ
المقصد الثالث
في بيان مكمن الخطورة في زلات العلماء