قال الشاطبي بعد أن سرد جملة من الآثار في التحذير من زلة العالم: ( و هذا كله ، و ما أشبهه ، دليل على طلب الحذر من زلة العالم ، و أكثر ما تكون عند الغفلة عن اعتبار مقاصد الشارع في ذلك المعنى الذي اجتهد فيه ، و الوقوف دون أقصى المبالغة في البحث عن النصوص فيها ، و هو و إن كان قَصَد و لا تعمد و صاحبه معذور و مأجور ، لكن مما ينبني عليه في الاتباع لقوله فيه خطر عظيم ، و قد قال الغزالي: إن زلة العالم بالذنب قد تصير كبيرةً وهي في نفسها صغيرةٌ ، و ذَكر منها أمثلةً ، ثم قال: فهذه ذنوب يتبع العالم عليها ، فيموت العالم ، و يبقى شرُّه مستطيرًا في العالَم أيامًا متطاولةً ، فطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه ، و هكذا الحكم مستمرٌ في زلته في الفتيا من باب أولى ، فإنه ربما خفي على العالِم بعض السنة أو بعضُ المقاصد العامة في خصوص مسألته فيفضي ذلك إلى أن يصير قوله شرعًا يُتَقَلَّد ، و قولًا يُعتبر في مسائل الخلاف ، فربما رجع عنه ، و تبين له الحق فيفوته تدارُك ما سار في البلاد عنه ، و يضل عنه تلافيه فمن هنا قالوا: زلة العالم مضروب بها الطبل ) [ الموافقات: 4 / 170 ] .
و قال - رحمه الله - في هذا المعنى أيضًا: ( تستعظم شرعًا زلة العالم و تصير صغيرته كبيرة من حيث كانت أقواله و أفعاله جارية في العادة على مجرى الاقتداء فإذا زل حملت زلته عنه قولًا كانت أو فعلا لأنه موضوع منارًا يُهتدى به فإن علم كون زلته زلة صغرت في أعين الناس وجسر عليها الناس تأسيا به و توهموا فيها رخصة علم بها و لم يعلموها هم تحسينا للظن به و إن جهل كونها زلة فأحرى أن تحمل عنه محمل المشروع و ذلك كله راجع عليه ) [ في الموافقات: 3 / 317 ] .