و قال ابن القيّم: ( و من المعلوم أن المَخُوفَ في زلة العالم تقليده فيها إذ لولا التقليد لم يُخَف من زلة العالم على غيره فإذا عَرَف أنها زلة لم يجز له أن يتبعه فيها باتفاق المسلمين فإنه اتباع للخطأ على عمد و من لم يعرف أنها زلة فهو أعذر منه و كلاهما مفرط فيما أمر به ) [ إعلام الموقعين: 2 / 192 ] .
و قد أحسن من قال: « زلة العالم كالسفينة تغرق ، و يغرق معها خلق كثير » [ أدب الدنيا و الدين ، ص: 46 ، و انظر: الموافقات ، للشاطبي: 3 / 318 ] .
المقصد الرابع
الأسباب المفضية إلى زلل العالم:
إذا استقرأنا جملة من المسائل المعدودة من قبيل زلاّت العلماء سنقف و لا بدّ على أنّ السبب المفضي إلى وقوع العالم فيها غالبًا ما يكون أحَدَ أمرين ، هما:
أولًا: مغالطة المستفتين للعلماء ، و استدراجهم إلى ما يريد المستفتي الوصول إليه ، بالتلبيس تارةً و التدليس عليهم تارةً أخرى ، حيث ترى المستفتي يضمِّن سؤاله الفتوى التي يريد الوصول إليها ، و لا يفتأ يراوغ حتى ينتزعَها من العالم انتزاعًا ، ثم يطير بها فرِحًا يبثُّها هنا و هناك .
و قد رزئت هذه الأمة منذ القدم بأمثال هؤلاء المستَفْتين ، و الموفّق من العلماء مع عصمه الله من الوقوع في حبائلهم ، و وفَّقَه للإعراض عن ضلالاتهم ، و لعدم الركون إليهم .
ألا ترى أن من عظيم منن الله تعالى على خاتم أنبيائه و رسله أن ثبّته في وجه من أرادوا ليزلقوه بألسنتهم ، قال تعالى: ( و لَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ) [ الإسراء: 74 ] .