فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 1019

يقول العلاّمة ابن القيم رحمه الله: ( يحرم عليه ـ أي على المفتي ـ إذا جاءته مسألة فيها تحايل على إسقاط واجب ، أو تحليل محرم ، أو مكر ، أو خداع ، أن يعين المستفتي فيها ، و يرشده إلى مطلوبه ، أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصل به إلى مقصوده ؛ بل ينبغي له أن يكون بصيرًا بمكر الناس و خداعهم و أحوالهم ، و لا ينبغي له أن يحسن الظن بهم ، بل يكون حذرًا فطنًا فقيهًا بأحوال الناس و أمورهم ، يؤازره فقهه في الشرع ، و إن لم يكن كذلك زاغ و أزاع ، و كم من مسألة ظاهرها جميل ، و باطنها مكر و خداع و ظلم ! فالغِرُّ ينظر إلى ظاهرها ، و يقضي بجوازه ، و ذو البصيرة ينفُذُ إلى مقصدها و باطنها . فالأول يَرُوج عليه زَغَلُ المسائل كما ، يروج على الجاهل بالنقد زَغَلُ الدراهم ، و الثاني يُخرِج زيفَها كما يخرج الناقد زيف النقود ، و كم من باطل يخرجه الرجل بحسن لفظه و تنميقه و إبرازه في صورة حق ! و كم من حق يخرجه بتهجينه و سوء تعبيره في صورة باطل ! و من له أدنى فطنة و خبرة لا يخفى عليه ذلك ) [ إعلام الموقعين: 4/ 229 ] .

و من منطلق الخبرة بأحوال الناس ، و الوقوف على مكرهم و تحايلهم على الشرع و حَمَلَتِه ، كان الأئمة الأثبات و لا يزالون يحتاطون في الفتيا ، و يردون مسائل المغالطين .

قال إمام دار الهجرة رحمه الله: ( قال رجل للشعبي: إني خبأت لك مسائل فقال: خبئها لإبليس حتى تلقاه فتسأله عنها ) [ الآداب الشرعية: 2 / 56 ] .

ثانيًا: مسايرة العلماء لمن يستفتيهم ، و هذا من أعظم البلاء الذي حلّ بالأمّة في العصر الحاضر ، إذ نبَغَت فيها نابغة من الملفّقة الذين لا يألون جهدًا في تطويع الشريعة لظروف العصر ، بدلًا من تحكيم الشريعة في أمور العباد الدينيّة و الدنيويّة ، و كوّنت هذه الدعوة أرضًا خصبة للعصرانيين ، و دعاة التلفيق ، و الترخيص .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت