فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 1019

وتُعَدُّ المفهومات المستقاة من الفكر الغربي ـ وخصوصًا الفلسفة ـ محور حركة الخطاب الفكري عند الغربيين، وهي ما ينظمه ويضبطه، وهي لبنات بناء النظام المعرفي والنظري في العلوم الإنسانية خاصة، ولها خصائص معرفية محددة ترتبط بغيرها من المفهومات في الحقل المعرفي الواحد، وفي المؤسسة العلمية أو الأكاديمية الواحدة، في سياقات ثقافية واجتماعية محددة، ومن ثم فإن لها أبعادًا تاريخية وإيديولوجية تنفي عنها صفة المطلق الزماني والمكاني؛ إذ إن هذه المفهومات والمصطلحات الفكرية ـ خاصة التي نشأت في الغرب، ثم صُدِّرت وشاعت في الخطاب الفكري العربي ـ تأتي مثقلة بتاريخ معرفي وثقافي خاص بها له دوافعه الإيديولوجية؛ مما يجعل معانيها ودلالاتها تختلف أو تتحول ولو بشكل جزئي باختلاف سياقات استخدامها الثقافية والتاريخية. وهذا لا يعني بالضرورة عدم الاستفادة من مفهومات الفكر الغربي واستخدامها فيما يخدم أهداف المسلمين الاستراتيجية على الصعيدين المحلي والعالمي؛ سواء تلك المفهومات العالمية التي تتشابه جزئيًا مع المفهومات الإسلامية، مثل (حرية التعبير، أو رأس المال، أو السلطة الاجتماعية) ، أو التي لا يوجد لها مقابل شائع في الفكر والثقافة الإسلامية، مثل مصطلح «ريْس» بالإنجليزية، ويعني (عِرق أو سلالة جماعة من البشر يتميزون بصفات خَلقية أو جسدية خاصة) ، وهو أحد أهم مكونات الثقافة الغربية، والأمريكية على وجه الخصوص. ولكن ينبغي أولًا معرفة المعاني والدلالات الدقيقة لهذه المفهومات، والوعي بتحولاتها وانعكاساتها التاريخية، وتاريخ تنقلاتها عبر الثقافات، ودوافعها وأهدافها، ثم استخدامها في الحوار الفكري مع الآخر بشكل يعكس هذا الوعي وهذه المعرفة، مع إبراز الفروق المهمة في دلالات المفهومات المستخدمة بين الثقافتين حسب الحاجة والمصلحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت