فمن ذلك: فتنة (التقارب الإسلامي المسيحي) ، كما كانت تسمى قبل ثلاثة عقود، ثم لطِّفت فسُمّيت: (الحوار الإسلامي المسيحي) ، ثم وُسِّعت بين يدي «اتفاقية أوسلو» للتطبيع مع اليهود، فصارت: (حوار الأديان) ، وربما: (حوار الأديان الإبراهيمية) ، ثم لم تزل تتسع في ظل الدعوة إلى العولمة لتصبح: (حوار الحضارات) فتشمل الهندوسية، والبوذية، وسائر الملل الوثنية، في زخرف من القول، وبهرج من العمل.
وقد كانت الجبهة العريضة ـ تاريخيًا وجغرافيًا ـ تجاه العالم الإسلامي هي الغرب النصراني، ولا يزال، وسيظل كذلك إلى قيام الساعة، كما في حديث المستورد القرشي - رضي الله عنه - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (تقوم الساعة والروم أكثر الناس) (1) . وأحاديث الفتن والملاحم ـ في الصحاح والسنن والمسانيد ـ متوافرة على أنهم خصوم المستقبل، كما أنهم خصوم الحاضر والماضي، وهم اليوم يملكون الآلة العسكرية، والقوة الاقتصادية، والهيمنة الإعلامية، ومع ذلك تنطلق من مراجعهم الدينية والسياسية الدعوة إلى التقارب والحوار.. فما سر ذلك؟!
إن الإجابة عن هذا السؤال تستدعي أن نلم بجانب وصفي معاصر لنشأة ظاهرة (الحوار الإسلامي النصراني) أو (الحوار بين مسلمين ونصارى) على وجه الدقة؛ حتى لا نضفي على بعض الممارسات الخاطئة الصفة الإسلامية، بل ننسبها إلى أفراد أو هيئات من المسلمين خاضوا فيها بحسن نية وجهل حينًا، وتساهل وتجاهل أحيانًا.
u وقائع معاصرة:
-في عام (1301هـ/ 1883م) أسس الشيخ محمد عبده، والقس الإنجليزي «إسحاق تيلور» ، وجمال رامز بك (قاضي بيروت) ، ونفر من الإيرانيين ـ جمعية سرية للتقريب بين الأديان في بيروت.
-في عام 1935م انعقد مؤتمر (تاريخ الأديان الدولي) في بروكسل، وأوفد شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي كلًا من الأستاذين: مصطفى عبد الرازق، وأمين الخولي.