وقد وجدتُ شبهة نسبية الحق هذه مؤثرة حتى في بعض الشباب المتدينين. قال لي أحدهم: إذا كنا نحن نرى أنفسنا على حق؛ فهم أيضًا يرون أنهم على حق. قلت له: وماذا في هذا؟ إن الحق واحد، سواء كان حقًا متعلقًا بدين أو بدنيا؛ لأنه وصف لواقع، ولا يمكن أن يكون الواقع على صفتين متضادتين. فإذا اختلفنا اختلاف تضاد، فيستحيل أن يكون كلانا على حق. هب أن إنسانًا قال إنه ما يزال يرى أن الأرض مسطحة وأنت تعتقد أنها مكورة. ماذا تقول له؟ هل تقول له: أنت على حق من وجهة نظرك، وأنا على حق من وجهة نظري؟ إنّ الاختلاف في الحق لا يعني نسبيته. إن صاحب الحق لا بد أن يكون له دليل على صحة دعواه؛ فمن حقه أن يقول لمخالفه إنني لا أطلب منك إلا أن تكون عاقلًا تخضع للدليل إذا تبين لك. ما أجمل وأصدق ما قال الإمام الشاطبي في موافقاته:"الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها وإن كثر الخلاف، كما أنها في أصولها كذلك. ولا يصح فيها غير ذلك. والدليل على ذلك أمور" (1) .