فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 1019

ومن أشكال المداهنة أن يكون الحوار بين أبناء الوطن الواحد دعوة إلى العلمانية. كيف؟ يقولون: إذا كنا جميعًا أبناء وطن واحد؛ فيجب أن تكون العلاقة الأساس بيننا هي علاقة المواطنة التي تفترض أن يكون كل مواطن مخلص في حرصه على مصلحة وطنه، وعليه يكون الحوار بيننا حوارًا بين مواطنين متساوين؛ لا العلاقة الدينية التي تميز بين المواطنين. وهذه مغالطة سخيفة؛ لأن تصور الإنسان لما يعده مصلحة له أو لبلده تؤثر فيه معتقداته دينية كانت أو غير دينية. فإذا كان المواطن شيوعيًا مثلًا فقد يكون مخلصًا في اعتقاده بأن النظام الشيوعي هو الذي يحقق مصلحة بلده، ولذلك يرى أنّ الذين يقفون في طريق تحقيقها هم أعداء الوطن. وكذلك قل عمن يعتقد في العلمانية الغربية، أو من يعتقد في الإسلام. إنهم جميعًا مواطنون لكن معتقداتهم مختلفة. إلى درجة أن ما يراه أحدهم مصلحة في بعض جوانب الحياة يراه الآخر أكبر خطر على الوطن. رأيت أحد إخواننا يستغرب آسفًا لموقف ينم عن شيء من خيانة، وقفه بعض العرب من قضية عربية كبيرة، فقلت له: هوِّن عليك ولا تستغربن. إنّ غزوة بدر الكبرى لم تكن بين عرب ويونان، إنما كانت بين عرب أقحاح أقارب ينتمون إلى أشرف قبيلة عربية، ولم يكن اختلافهم في أنّ بعضهم كان محبًا لوطنه والآخر كارهًا له، إنما كان الخلاف بينهم في الحق والباطل والخير والشر. وكذلك سيظل إلى يوم القيامة، سواء كان الناس أبناء وطن واحد أو أوطان مختلفة.

(1) الموافقات، ص 59 من الجزء الخامس، تحقيق أبي عبيدة، دار ابن عفان، 1417ه.

ـــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت