إن من خاطبه الله بقوله: (وجادلهم بالتي هي أحسن) كان خير من لبى هذا النداء وأتقن هذه الوصية - - صلى الله عليه وسلم - -، فمن ذلك ما روى ابن هشام في سيرته جـ1ص313 أن عتبة بن ربيعة جلس إلى رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - فقال له: يا ابن أخي، إنك منا حيث علمت من السلطة في العشيرة والمكان والنسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا لعلك تقبل بعضها.
فقال رسول الله - - صلى الله عليه وسلم -: (قل يا أبا الوليد أسمع) فقال له عتبة ما قال حتى إذا فرغ قال له رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - (أوقد فرغت يا أبا الوليد؟) قال: نعم، قال: (فاسمع مني) ، قال: أفعل فأخذ رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - يتلو عليه من سورة فصلت، حتى إذا انتهى إلى الآية موضع السجدة منها وهي الآية 37-، سجد، ثم قال لعتبة: قد سمعت يا أبا الوليد فأنت وذاك.
فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بوجه غير الوجه الذي ذهب به، وطلب عتبة منهم أن يدعو الرسول - - صلى الله عليه وسلم - - وشأنه، فأبوا وقالوا له: سحرك يا أبا الوليد بلسانه.
في هذه القصة النبوية أكثر من درس يحسن الوقوف عنده، فالرسول الكريم قد أحسن الاستماع لعتبة، وأعطاه الفرصة لقول ما يشاء، بل أكثر من ذلك أعطى محدثه الفرصة ليقول من جديد دون أن يعاجله، فلما سأله ليتأكد من فراغه مما لديه، بدأ التلاوة، وهذا قمة الأدب في الحوار وهو من الذوق الرفيع الذي تتفتح النفس للتلقي منه و تهتدي به القلوب العمي والآذان الصم - - صلى الله عليه وسلم - -، فكانت تلك المقدمة الفاتحة والمدخل النير لما جاء بعدها، وذلك من تلاوة آيات الذكر الحكيم، تنتهي بسجدة، سجدها - - صلى الله عليه وسلم - - ثم قال لعتبة: قد سمعت يا أبا الوليد فأنت وذاك (أي ما تختار) .