والواقع أن الحوار لا يستغنى عنه أحد، فعن طريقه يتوصل الناس إلى صياغة إجابات مناسبة للمشكلات التي تدور بينهم.
ويتم التفاهم بين طرفين مختلفين عن طريق المناقشة والتفاوض، على أساس من الاعتراف المتبادل والانفتاح على الآخر بسماحة وبإرادة مشتركة لتبادل الآراء والإذعان للحقيقة.
إن كثيرًا من النزاعات ودورات العنف إنما تنشأ من عدم معرفة الناس بعضهم ببعض، وتبادلهم الحذر وسوء الفهم والمخاوف مع أنهم لو جلسوا إلى بعضهم وتحاوروا، لأبعدوا شبح العنف والتدمير، فالعنف يبدأ عندما يتعطل الحوار. الذين يضيقون بالحوار هم أصحاب التعصب المقيت وناقصو الفكر والأخلاق، عندما يعجزون عن مواصلة الحوار بالحجة والبرهان، يلجأون إلى ما لجأ إليه فرعون: {فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى} سورة طه، آية60. وعندما أذعن سحرة فرعون وآمنوا برب هارون وموسى كان جواب فرعون: {آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابًا وأبقى} سورة طه، 71. إن لنا في قصص الأنبياء - عليهم السلام -، وفي سيرة المصطفى [، عبرة لأولي الأبصار.
النموذج الفرعوني قائم وماثل في هذا العالم دون شك، فهناك من يظن أنه فوق الناس جميعًا بما أوتي من قوة السلاح أو المال، فهو يستعين بالآخرين ويستخف بهم، ويرى أنهم أقل من أن يكونوا طرفًا في حوار.
هذا هو الكبر والخيلاء الذي إذا مس قلب امريء جعله غير قادر على أن يبصر أو يفهم أو يسمع. لنتذكر قول الله - تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين) الأعراف، 146.