بعد أن جرّبت الحضارة الإسلامية التّفاعل في صدر الإسلام، ومن ثم في زمن التأثير الإسلاميّ العظيم في التغيير الفكريّ والرّوحيّ في الغرب. فقد آن الأوان لها للتفاعل التّاريخيّ الثّالث مع باقي العالم، ولا سيما مع العالم الغربيّ. ولكن الوضع اليوم يختلف نوعًا ما عن سابقيه، لأنّ الغرب لا يشعر بالحاجة لتعلّم أي شيء من الشّرق، كما اعتاد أن يكون حاله في السابق.
بل على العكس من ذلك، فإن الغرب يعتقد بوجوب أن يقلِّدَهُ الشّرق في كل الأمور، حتّى في السلوك الأخلاقيّ الغريب، والمخالف للحشمة الإنسانيّة والإنتاج (التناسل) الإنساني. ولكن ينبغي ألا يثني هذا الوضع عزيمة المسلمين عن التّفاعل مع الغرب، بسبب ما يوجد من اتكال متبادل ودّائم بين العالَمين - الشّرق والغرب ــ ذلك الاتكال الذي لم يبدأ بالأمس، ولن ينتهي في الغد.
دعني الآن أطرح السؤال الثّاني: بأي سرعة سوف تنطلق عجلة الحضارة الإسلاميّة? هل بسرعة مركزها? أم بسرعة حافتها?
المركز والحافة
لكن، وقبل كل شيء، هل يوجد مركز للإسلام ? نعم، هناك مركز للإسلام، ولكنّه ليس مركزا جغرافيّا متماسكا، أو منتَجا اقتصاديا، أو تأثيرا سياسيا على التطور العالمي، بقدر ما هو هوية عالمية، وتوجّه في الزمان والمكان نحو الكعبة؟ قبلة المسلمين؟ وتضامن بين عامة المسلمين في مختلف أرجاء العالم يقوم على الإيمان. وستبقى هذه الميزات المعنوية لفكرة مركز الإسلام قويّةً لأنّ رسالة القرآن قويّة في شموليتها ومصداقيّتها في إنقاذ البشرية.
إذن، فالعبرة هنا، ليست في النِعَمِ الواضحة التي تجود بها السماء، بل في حسن أو سوء استخدام البشر لتلك النعم. فكما يقول ريشارد بولييه (Richard Buliet) :