فما هو المأزق عند دعاة التقارب الإسلامي المسيحي مثلًا؟ إن دعوات التقارب والحوار الإسلامي المسيحي كلها تقريبًا نشأت في الجانب المسيحي، ومع أن هذا الجانب هو الغالب غلبة مادية؛ لكن من السهل إدراك الأزمة التي يعيشها من يمثلونه، فقد وجدوا أن قرونًا طويلة من الصراع والصدام مع الإسلام لم تحل مشاكلهم معه، ولم يلمحوا أن حملة العقيدة الإسلامية يمكن أن يلينوا على العسف والقهر، ولم تبدُ عليهم آثار من تعب المصاولة في حلبات التذويب أو التشويه، بل يفاجأ هؤلاء - وهم في عنفوان تسلطهم المادي وهيمنتهم - بالإسلام الذي عملوا على تجريده من كل قوة، وسخروا لحرب أهله كل أنواع الأسلحة، فنهبوا مقدراتهم، وضربوا وحدتهم، وبثوا بينهم كل سموم العصبيات، وتجاهلوا ثقافتهم، وأبرزوا عيوبهم، وكبتوا محاسنهم، بل أظهروا محاسنهم في ثوب العيوب، وضربوا بين شعوبهم وبين الإسلام بالأسداد، على الرغم من ادعائهم حرية الفكر يفاجئون بهذا الإسلام لا زال حيًا له نفس يعلو وجسم يتحرك.
فكيف السبيل وما العمل؟ ! هنا يلبسون جلد الحَمَل، ويقدمون أنفسهم على أنهم يريدون أن يفهموا الإسلام فقد اكتشفوا كثيرًا من النقاط الإيجابية فيه وفي أهله، ومن الخسارة أن تضيع الجهود في الحروب والصراعات، ولابد من اكتشاف نقاط الالتقاء، وتضييق الفوارق، فتجوز الخدعة على بعض مفكري المسلمين، فيكتبون البحوث التي غالبًا ما تكون مملوءة بالنفاق والتشويه والتمييع.
ومما له دلالة يحسن التوقف عندها أن الداعين لمثل هذه الندوات تجمعهم صفة واحدة وهى خدمة المفاهيم الغربية، فهم إما أن يكونوا من السفراء السابقين في الدول الإسلامية، أو من الذين يدرسون الإسلام في بعض الجامعات الغربية التي تقدم خدماتها لوزارات الخارجية هناك، أو من رجال الكنيسة الذين يقومون بمهام التنصير في البلاد الإسلامية.