إن العلم والعلماء هما مادة هذا الاجتماع، وعنصره القوي، ولا يظن ظان أننا نقصد الأمة بجميع صنوفها، واختلاف قدراتها، وتعدد ملكاتها ومواهبها على العلم والعلماء فحسب، ولكنَّما العلماء هم قلب الأمة النابض، وعقلها المدبر، وباجتماعهم يتحد تفكير الأمة، وتتوحد مشاعرها، والنبي - - صلى الله عليه وسلم - - ضرب لنا مثلًا عظيمًا لهذه الأمة حين قال:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، فهذه الأمة جسد واحد يجب على أبنائها أن يعيشوا جميع قضاياها - قضاياهم - بروح الجسد الواحد، وكل جسد له قلب وأركان، وسمع وبصر ولسان، وهذه الأعضاء وغيرها لابد أن تخدم هذا الجسد الواحد.
ومما لا شك فيه أن من أدوى أدواءنا، وأعظم مشاكلنا؛ أننا نعيش بروح العضو الواحد لا بروح الجسد الواحد، والسبب الرئيس في هذا أننا لم نفهم الإسلام بحقيقته الشمولية، فانغلقت كل فئة منا على جزء من الدين، وشعيرة من شعائره، فوالت وعادت على هذا الجزء، وأحبت وأبغضت على تلكم الشعيرة، والإسلام دين شامل كامل كما قال الله تعالى:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا"فلا يحق لنا بحال من الأحوال أن نشطر الدين إلى أشطار وأجزاء ثم ننحصر في جزء من أجزائه أو شطر منه، ونجعل الدين هو هذا الجزء فحسب، أو ذلك الشطر فقط، ثم ننقسم إلى فئات وطوائف لكل منه شريعة، ولكل طائفة فريضة، نوالي ونعادي، ونحب ونبغض على ما اختصت به، غير أن هذا لا يعني أن يمنع بعض الناس من أن يختص بجانب من الدين أو قضية منه فيبرع فيها ويبدع، فإن أبوب الجنة ثمانية، والناس قدرات ومواهب، وأبواب الخير والبر رزق يقسمه الله بين الناس كما يشاء.