ففي الحديث الأول أنكر رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - على الصحابة أخذهم بعموم الأدلة الدالة على وجوب استعمال الماء لواجده بغض النظر عن حالته، فهم لم ينتبهوا إلى قوله - تعالى: (( وإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغائطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فلمْ تجِدوا ماءً فتيمّموا صعيدًا طيِّبا ً ) ) [المائدة: 6] ولم يسألوا وهم ليسوا من أهل النظر.
وأما حديث أسامة فيفهم منه كأنه - رضي الله عنه - تأول قول الله - تعالى: (( ...فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمانُهُمْ لمَّا رأَوْا بَأْسَناَ... ) ) [غافر: 85] ، واعتبر الآية نافية للنفع في الدنيا والآخرة وأنها عامة في الحالين وليست خاصة بالآخرة، كما هو ظاهر من الآية الكريمة، ولعل ذلك ما جعل النبي - - صلى الله عليه وسلم - - يعنفه.
تلك بعض فتاوى الصحابة - رضوان الله عليهم - التي لم يقرهم عليها رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - (17) .
لقد كان الناس يستفتونه - عليه الصلاة و السلام - في الوقائع فيفتيهم، وترفع إليه القضايا فيقضي فيها (18) ، ويرى الفعل الحسن فيستحسنه ويثني على فاعله، ويرى الفعل المغاير فينكره، ويستعلم منه أصحابه - رضوان الله عليهم - ذلك، ويرويه بعضهم لبعضهم الآخر فيشيع بين الآخرين، وقد يختلفون فيتحاورون فيما اختلفوا فيه بدافع الحرص، دون أن يجاوزوا ذلك إلى التنازع والشقاق، وتراشق الاتهامات وتبادل الطعون لأنهم بالرجوع إلى كتاب الله - تعالى -، والى رسوله - - صلى الله عليه وسلم - - يحسمون أي خلاف دون أن تبقى أية رواسب يمكن أن تلقي ظلالًا على أخوَّتهم.
تحذير النبي - - صلى الله عليه وسلم - - أصحابه من الاختلاف: