وقد ارتفع هؤلاء الرجال فوق مشاعر الإحساس بالغضاضة، فقد يتوقف أحدهم أمام مسألة، وذكر أن قومه أرسلوه يسأله عنها من مسيرة ستة أشهر، قال مالك: فأخبر الذي أرسلك أني لا علم لي بها. قال الرجل: ومن يعلمها؟ قال مالك: من علّمه الله، قالت الملائكة:
(( لا عِلْمَ إلاّ ماَ عَلَّمْتَنَا ) ) (البقرة: 32) .
وروي عن مالك أيضًا أنه سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها:"لا أدري".
وعن خالد بن خداش قال: قدمت على مالك من العراق بأربعين مسألة فسألته عنها فما أجابني منها إلاّ في خمس مسائل.
وكان لبن عجلان يقول: إذا أخطأ العالم قول (لا أدري) أصيبت مقاتله.
وروي عن مالك، عن عبد الله بن يزيد بن هرمز قال: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه قول (لا أدري) حتى يكون ذلك في أيديهم أصلًا يفزعون إليه، فإذا سئل أحد عما لا يدري قال: لا أدري.
وقال أبو عمر بن عبد البر (توفي سنة 463) : صح عن أبي الدرداء أنه قال: لا أدري نصف العلم.
مالك وابن عيينة:
كان ابن عيينة (137) قرين مالك وندًا له، يقول الإمام الشافعي:"ومالك وابن عيينة القرينان، ولولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز (138) "ومع ذلك فقد روي: أن ابن عيينة ذكر مرة حديثًا فقيل له: إن مالكًا يخالفك في هذا الحديث، فقال القائل، أتقرنني بمالك؟ ما أنا ومالك إلاّ كما قال جرير:
ولبن اللبون إذا ما لزّ في قرن ***لم يستطع صولة البزل القناعيس
ويروى لسفيان بن عيينة قول رسول الله - - صلى الله عليه وسلم -:
(يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يوجد عالم أعلم من عالم المدينة) فيقال لسفيان: من هو؟ فيقول: إنه مالك بن أنس. ويقول:"كان لا يبلغ من الحديث إلاّ صحيحًا، ولا يحمل الحديث إلاّ عن ثقاة الناس، وما أرى المدينة إلاّ ستخرب بعد موت مالك بن أنس" (139) .
مالك والشافعي: