فهرس الكتاب
فالأول اختلاف مؤثر في العمل، ومنه السائغ الذي لا يضر، ومنه غير السائغ، والآخر من قبيل اختلاف السفسطائية: هل البيضة قبل الدجاجة أم الدجاجة قبل البيضة؟ قال شيخ الإسلام: «وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته؛ فإن الله نصب على الحق فيه دليلًا؛ فمثال ما لا يفيد ولا دليل على الصحيح منه اختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف، وفي البعض الذي ضرب به موسى من البقرة، وفي مقدار سفينة نوح وما كان خشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر ونحو ذلك؛ فهذه الأمور طريق العلم بها النقل؛ فما كان من هذا منقولًا نقلًا صحيحًا عن النبي - - صلى الله عليه وسلم - - كاسم صاحب موسى أنه الخضر؛ فهذا معلوم. وما لم يكن كذلك، بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب كالمنقول عن كعب ووهب ومحمد بن إسحق وغيرهم ممن يأخذ عن أهل الكتاب؛ فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة» (4) وقال: «وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا.. (5) .
من أهم أقسام الاختلاف التي تحتاج إلى تحرير: انقسام الاختلاف باعتبار مدح أصحابه وذمهم:
وقد حرر ذلك ابن القيم - رحمه الله - في الصواعق؛ حيث قال: «الاختلاف في كتاب الله نوعان:
أحدهما: أن يكون المختلفون كلهم مذمومين، وهم الذين اختلفوا بالتأويل، وهم الذين نهانا الله - سبحانه -عن التشبه بهم في قوله: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} [آل عمران: 105] ، وهم الذين تسوَدُّ وجوههم يوم القيامة، وهم الذين قال الله - تعالى - فيهم: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [البقرة: 176] ، فجعل المختلفين كلهم في شقاق بعيد، وهذا النوع هو الذي وصف الله أهله بالبغي، وهو الذي يوجب الفرقة والاختلاف وفساد ذات البين، ويوقع التحزب والتباين.