ومن جهودهم الظاهرة في هذا المجال ما فعله الفاروق عمر - رضي الله عنه - تجاه صبيغ ـ لمّا خاض في المتشابه ـ حيث ضربه ونفاه.. وحرّق علي - رضي الله عنه - الغلاة القائلين بإلهيته، وجلد من فضّله على الشيخين أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - حد المفتري، وردّ عبد الله بن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله - رضي الله عنهم - على الخوارج والقدرية.. كما حذر عمومُ الصحابة من الابتداع والإحداث في دين الله - تعالى -.
ومن خلال نظرات يسيرة في تلك الجهود نلمس جملة أمور، منها:
تمام الاتباع وكمال التأسي برسول الله في الردّ على المخالف، ودليل ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه -"أن رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - خرج ذات يوم، والناس يتكلمون في القدر، فكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال: مالكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم، يقول ابن عمرو: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله- - صلى الله عليه وسلم - - لم أشهده بما غبطت بذلك المجلس أني لم أشهده (4) . تأسى عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - برسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - في ذلك، فلما بلغه حال أولئك القدرية النفاة، غضب أشد الغضب، حتى قال الراوي: حتى وددت أني لم أكن سألته (5) ."
ولما أُخبر ابن عباس - رضي الله عنهما - عن رجل يكذب بالقدر، قال: دلوني عليه ـ وهو يومئذ أعمى ـ فقالوا له: ما تصنع به؟ فقال: « والذي نفسي بيده لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته بيدي لأدُقنّها » (6) .
أن الصحابة - رضي الله عنهم - يَجْمَعُون في ردهم على المخالف بين العلم بالحق والعمل به، وبين الرحمة بالخلق والإشفاق عليهم، والرد على المخالف لا يكون عملًا صالحًًا مقبولًا إلا إذا أُريد به بيان الحق وإظهاره، ورحمة الخلق وهدايتهم.