يقرر الصحابة - رضي الله عنهم - في ردهم على المخالفين والمبتدعين صلة هذه البدع بالملل والديانات السابقة، مما يدل على سعة علمهم، وغزارة معرفتهم، وبُعْد أُفُقِهم، ومن ذلك: مقالة ابن عباس - رضي الله عنهما: « اتقوا هذا الإرجاء، فإنه شعبة من النصرانية » (14) . ولا غرابة في ارتباط تلك البدع بالملل الأخرى، فإن الأفكار لا تموت، ولكل قوم وارث، وأما توجيه هذا الارتباط بين النصرانية والإرجاء، الذي أشارت إليه مقالة ابن عباس فيبدو ـ والله أعلم ـ أن من القواسم المشتركة بين الطائفتين أن النصارى زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، كما ادعى المرجئة لأنفسهم ـ وكذا جميع الفساق والعصاة ـ أنهم مؤمنون كاملو الإيمان، كما يغلب على النصارى التفريط والتقصير، فلا يرون شيئًا حرامًا ولا نجسًا، ويأكلون الخبائث (15) ، وشابههم المرجئة في هذا التفريط فضيعوا الواجبات وانتهكوا المحرمات.
وقد ورث سعيد بن جبير - رحمه الله - هذا العمق وسعة الأفق من شيخه ابن عباس - رضي الله عنهما -، فقال سعيد: «المرجئة مثل الصابئة.. » (16) .
وقد حفلت مرويات الصحابة - رضي الله عنهم - وسيرهم بأنواع من الحوارات الهادفة والردود القوية تجاه المخالفين، نكتفي بمثال واحد مع التعليق عليه: