فهرس الكتاب

الصفحة 806 من 1019

فقول عمر: أهينوهم: من مقتضى البراءة من الكافرين، كما قال - تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ) ) [المائدة: 51] فحق الكفار العداوة والبغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده، وأن نُهِينَهُم حيث أهانهم الله - تعالى -، ومن يهن الله فماله من مكرم، ولذا قال عمر - رضي الله عنه - لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أُدْنِيهِم إذ أقصاهم الله (10) .

وأما قول عمر: ولا تظلموهم، فهذا مقتضى العدل والإقساط معهم، كما قال - سبحانه: (( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ) ) [الممتحنة: 8] .

ففرّق عمر - رضي الله عنه - بين حسن المعاملة مع الكفار وبغض الكفار والبراءة منهم، فلا يصح الخلط بين الأمرين، فَيُجْعَلََ العَدْلُ والإقساط مع الكفار محبة وموالاة للكفار، كما لا يصح أن يُجْعَلَ بغضهم وعداوتهم ظلمًا وتعديًا (11) .

يتبين في ردود الصحابة على المخالفين: حدة أذهانهم ودقة أفهامهم، ومما يوضح ذلك أن عطاء بن يسار لمّا سأل أبا سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن الحرورية، فقال عطاء: هل سمعت رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - ذكرهم، فقال أبو سعيد: لا أدري مَنْ الحرورية، ولكني سمعت رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - يقول: يخرج في هذه الأمة ـ ولم يقل منها ـ قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم... الحديث (12) .

قال المازري: هذا من أول الدلائل على سعة علم الصحابة - رضي الله عنهم - ودقيق نظرهم، وتحريرهم الألفاظ، وفرقهم بين مدلولاتها الخفية؛ لأن لفظة مِنْ تقتضي كونهم من الأمة لا كفارًا، بخلاف » في.. (13) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت