فهرس الكتاب

الصفحة 823 من 1019

ولقد أثر عن الإمام الجليل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رضي الله عنه -، أنه مر مع أصحابه على أناس من التتار الذين غزو بلاد الشام وكانوا سكارى، فأراد من كان مع الإمام التغيير عليهم فنهاهم الإمام؛ لأن أمامه مفسدتان: مفسدة شرب الخمر، وهي منكر، غير أنها جريمة قاصرة، والمفسدة الثانية قتل المسلمين وإزهاق أرواحهم وسفك دمائهم، ولهذا قال الإمام الجليل: دعوهم، إنما نهى الله عن الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء إنما تصدهم الخمر عن قتل المسلمين وإراقة دمائهم، ولزوال الدنيا بأسرها أهون على الله من إراقة دم مسلم بغير حق.

ولقد أراد النبي - - صلى الله عليه وسلم - - بعد فتح مكة أن يعيد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم الخليل - عليه السلام -، فقال لعائشة: لولا أن قومك حدثا عهد بالكفر لهدمت الكعبة وأعدتها على قواعد إبراهيم - عليه السلام -، حيث يشمل الكعبة حجر إسماعيل، ويكون لها بابان على وجه الأرض.

ومما يؤيد فقه الموازنات والمقارنة بين التصرف وعدمه ما قاله الله - تعالى:"ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم" [الأنعام: 108] ، فسب الأصنام أمر مباح ولكن لما كان يؤدي إلى التعرض للذات العلية صار أمرًًا ممنوعًا.

ونحن أمة نعيش ضمن قرية كونية زالت فيها حواجز الزمان والمكان، وليس لنا من سبيل أن ننكفي على أنفسنا أو نتقوقع على ذاتنا، حيث لابد من تبادل المنافع ورعاية المصالح ومد الجسور مع الآخرين والتفاعل الإيجابي من غير أن تذوب شخصيتنا وخصوصية حضارتنا من غير انطواء أي أن الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها وممن جاء بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت