فهرس الكتاب

الصفحة 834 من 1019

والتعامل مع كل من مخالف منوط بهذه القاعدة، فلا يسوغ الرد عليه إذا ترتب على ذلك مفسدة أكبر. وقد نهى الله - تعالى -عن سب آلهة المشركين لما ترتب على ذلك مفسدة أعظم من ملحة سبها، قال - تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم) (الأنعام: 108) . قال ابن القيم: (إن النبي - - صلى الله عليه وسلم - - شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله) (أعلام الموقعين 3/4) . وفي امتناع النبي - - صلى الله عليه وسلم - - عن هدم الكعبة شاهد ظاهر لهذا.

وفي هذا المعنى يقول ابن تيمية: (إذا لم يحصل النور لصافي، بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصاف. وإلا بقى الإنسان في الظلمة فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهى عن نور فيه ظلمة إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه، وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية) (الفتاوى 10/364) . ولا يمكن تبين المالح والفاسد وحقائقها إلا لمشارك في الحال، أما الناظر من بعيد فإنه لا يتصور ذلك على وجهه.

ومراعاة المصالح والمفاسد يتضمن ملاحظة الوقت الذي يعيشه الإنسان، وهل سيتعلق بكلامه أهل الفساد ليكون ذريعة لمآرب سيئة وهل سيُفهم على وجهه أم لا. وذلك كله مبني على قاعدة كبرى، وهي أن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لنفسها وإنما قصدت المصالح المترتبة عليها (انظر المواقعات 2/385) .

ثالثًا / معرفة لغة المتكلم وحقيقة رأيه:

فإذا جهل الإنسان حقيقة قول المتكلم ومقصده من اصطلاحاته حمله غير مقصوده، ولذا قال ابن تيمية: (وكثير من الناقلين ليس قصده الكذب، لكن المعرفة بحقيقة أقوال الناس من غير نقل ألفاظهم، وسائر ما به يعرف مرادهم قد يتعسر على بعض الناس ويتعذر على بعضهم) (الفتاوى 6/303) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت