يعلق سيد قطب - رحمه الله - على هذه الآية بقوله:(لقد نهى الله - عز وجل - الذين آمنوا قبل أن يحملهم الشنآن لمن صدوهم عن المسجد الحرام على الاعتداء، وكانت هذه قمة ضبط النفس والسماحة، يرفعهم الله إليها بمنهجه التربوي الرباني القويم، وهاهم أولاء ينهون أن يحملهم الشنآن على أن يميلوا عن العدل، وهي قمة أعلى مرتقى وأصعب على النفس وأشق، فهي مرحلة وراء عدم الاعتداء والوقوف عنده، تتجاوز إلى إقامة العدل مع الشعور بالكره والبغض..
)إلى أن قال - رحمه الله تعالى: (إن النفس البشرية لا ترتقي هذا المرتقى قط إلا حين تتعامل في هذا الأمر مباشرة مع الله - عز وجل - حين تقوم لله متجردة عن كل ما عداه، وحين تستشعر تقواه وتحسُّ أن عينه على خفايا الضمير وذات الصدور) اهـ باختصار [7] .
الآية الرابعة: قوله - تعالى: (وإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ولَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) [الأنعام: 152] .
يعلق سيد قطب - رحمه الله - على هذه الآية فيقول: (وهنا يرتفع الإسلام بالضمير البشري - وقد ربطه بالله ابتداءً - إلى مستوى سامق رفيع على هدى من العقيدة في الله ومراقبته.. فهنا مزلة من مزلات الضعف البشري، الضعف الذي يجعل شعور الفرد بالقرابة هو شعور التناصر والتكافل والامتداد، بما أنه ضعيف ناقص محدود الأجل وفى قوة القرابة سند لضعفه وفى سعة رقعتها كمال لوجوده، وإن امتدادها جيلًا بعد جيل حماية لامتداده، ومن ثم يجعله ضعيفًا تجاه قرابته حين يقف موقف الشهادة لهم أو عليهم أو القضاء بينهم وبين الناس، وهنا في هذه المزلة يأخذ الإسلام بيد الضمير البشري ليقول كلمة الحق والعدل على هدى من الاعتصام بالله وحده، ومراقبة الله وحده، إكتفاءً به من مناجزة ذوي القربى وتقوى له من الوفاء بحق القرابة دون حقه وهو - سبحانه - أقرب إلى المرء من حبل الوريد) اهـ [8] .