يتضح ذلك إذا أجرينا مقارنة بين نوع وحجم الخلاف الذي حدث لسلفنا الصالح وكيفية تعاملهم مع الخلاف والتزامهم بالآداب الشرعية والسنن المرعية، وضبط النفس، والتحلي بالحكمة، والصبر في أحلك المواقف، وبين ما نراه ونشاهده من تباغض، وتناحر، وسباب، وشتم، ومعاداة بين إخوة العقيدة ورفقاء الدرب، من أتباع السنة والسلفية مع بعضهم البعض، حيث لم يسعهم ما وسع سلفهم الصالح.
نماذج لسلوك بعض السلف مع المخالفين لهم فيما يسوغ فيه الاختلاف وما لا يسوغ:
1.خالف ابن مسعود عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - في أكثر من مائة مسألة في الفرائض وغيرها، ومع ذلك كان عمر من أحب الخلق لابن مسعود - رضي الله عنه - بعد رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - وأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان كل منهما يثني على صاحبه بما هو أهله، ولم نجد لهذه الخلافات أثرًا في سلوكهما ومعاملتهما.
كان عمر يقول عن ابن مسعود:"كنيِّف ملئ علمًا"، وعندما استشهد عمر قال ابن مسعود:"لم يُصب الإسلام بمصيبة أفدح من هذه"، أو كما قالا.
2.عندما أتم عثمان بن عفان - رضي الله عنه - الصلاة الرباعية في موسم الحج بمنى متأولًا، أتم معه ابن مسعود، فقيل له: كيف تصلي أربعًا وقد صليتَ مع رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - وأبي بكر وعمر ركعتين؟! قال:"الخلاف شر".
الذي حمل ابن مسعود على إتمام الصلاة الرباعية بمنى مع عثمان خوف الاختلاف الذي لا يأتي بخير، وإن كان المخالف محقًا، طالما أن عثمان فعل ذلك متأولًا، وهو إمام راشد يُقتدى بفعله.
3.معاملة علي رضي الله عنه للمقاتلين له من أهل الجمل وصفين، وإكرامه لعائشة - رضي الله عنها -، ورده لها إلى المدينة معززة مكرمة مع فريق من النساء، وقد أخرج ابنيه الحسن والحسين مشيعين لها من الكوفة.
وقوله لمن أخبره بمقتل الزبير رضي الله عنه: بشِّر قاتل ابن صفية بالنار.