وهنا أسقط بيد فرعون فاستنجد بملئه يستعديهم على موسى ."قَالَ لِمَن? حَو?لَهُ ألاتَس?تَمِعُونَ"؟ وهذا حال الضعيف المستكبر ينكشف بسرعة . فيلتفت موسى إليهم منبهًا أن الله تعالى هو الذي خلقهم وخلق آباءهم ، أما فرعون فمدّع كذاب"ربّكم وربّ آبائكم الأولين".. وهنا يستشيط فرعون غضبًا ويسخر من موسى عليه السلام ويتهمه بالجنون ليضحك منه الحاضرون ."إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون"ونلحظ ارتفاع وتيرة الهجوم على الشخص لا على الفكرة ، فإذا سقط حامل الفكرة سقطت الفكرة نفسها . .. وينتبه النبي المؤيد بالله تعالى إلى هذا الاتهام ، فينفي الجنون عن نفسه ، ويرد الهجوم بهجوم أشد حين يضيف جديدًا في تعريفه بالله تعالى ، فهو سبحانه رب المشرق والمغرب وما بينهما . أما المنكر ذلك فهو لا يعقل ، ومن لا يعقل فهو المجنون بحق .".. رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون".. فرعون يستفزه ليصرح بالهجوم فيقتله ، وردُّ موسى تلميحٌ لكنه أشد وقعًا من التصريح . كما أن التلميح يدل على التماسك ورباطة الجأش .
وهنا نرى فرعون - إذ فقد بعض مقومات الحوار ( شروطه) التي ذكرناها قبل - يتهدد ويتوعد بالاعتقال والسجن لمن يعبد غيره ، وهذا دأب الجبابرة والطواغيت في كل زمان ومكان ."لئن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنّك من المسجونين"ولم يقل لأسجنَنّك ، بل قال لأجعلنّك من السجناء الكثيرين الذين سجنتهم ، ونسيتهم ، وانتهى أمرهم ، فهذه عادتي ، وانا أفعل ما أشاء ... إهدار للإنسانية ، وكبت للحرية ، وإرهاب فكريّ ، واستعباد للبشر ، وتألّه و...