وكم يكدّر صفوك الرائق وقاحةُ قولٍ في تبيين الحق وإنكار المنكر وردِّ الخطأ. ولا أدري أين أصحاب تلك الإسفافات من"قول الإمام الشافعي لصاحبه المزني حين سمعه يقول: فلانٌ كذّاب، فقال له: يا إبراهيم اكسُ ألفاظَك، أحْسِنها، لا تقل: كذّاب ولكن قل: حديثه ليس بشيء." (22)
وليت الشافعي يأتي ليؤدب أولئك المتبجحين الذين امتهنوا عيبَ الأعلامِ وانتقاصَ إخوانهم الدعاة صَنْعةً يتفاخرون بها في مجالس النجوى والوقيعة.
لا تُعِنْ على سَفكِ دمِ الدَّعوة..
كم من مقالةِ حقٍ أُريد بها باطلٌ صدّتْ العشرات بل المئات عن سماع الحقِّ من فلان؟!
وكم من مقالة سوء نفّرَت الناسَ من كتب أعلامٍ - تَشْرُفُ بهم الكلمةُ - فحُرِموا خيرًا كثيرًا؟!
وكم مرة أُغْلِقَ بابٌ للخير بسبب همزٍ ولمزٍ وأمورٍ بُيِّتتْ بليل؟!
وكم من مشروعٍ دعويٍ ضخم أجهضته كلمةُ انتقاصٍ طائشةٌ أطلقها مراهقٌ في حق القائمين عليه؟!
وكم من يدٍ بالسوء امتدت فوَأدَت منشطًا إسلاميًا في مهده؟!
وكم فُرضتْ قيودٌ وعراقيلٌ بجرّة قلمٍ ما كانت لله؟!
واستمع إلى التابعي المخضرم الثقة أبي معبد الجهني - رحمه الله - لتعيَ ما أقول..
"ففي حلقةٍ دراسية انعقدت في المدينة لتدريب وتفقيه الجيل الجديد من رجال دولة الإسلام المكلّف باستدراك ما صنعته الفتنة حاضرَ عبد الله بن عكيم، وطفق يلخّص لهم تجارب المخلصين، فقال:"
(لا أُعينُ على دم خليفة أبدًا بعد عثمان) .
وكانت كلمة مثيرة منه حقًا.. وتأخذُ الجميعَ إطراقةٌ، فما ثَمَّ إلا عيونٌ تتبادل النظر مستغربةً ما يقوله الرجلُ الصالح. ما لهذا الشيخ البريء المؤمن الذي لم يرفع في وجه عثمان سيفًا أبدًا يتّهم نفسه ويلومها على ما لم تفعل؟
وينبري جريءٌ لسؤاله:
(يا أبا معبد: أوَ أعنتَ على دمه) ؟
فيقول: (إني أرى ذكرَ مساوىء الرجل عونًا على دمه) .