أما بعد انتشار تلك البدعة في المجتمع الإسلامي، وتبني بعض من كان ينتسب إلى العلم لها، وترجمة كثير من كتبها ومؤلفاتها؛ نلاحظ أن موقف أئمة السنة قد أخذ أبعادًا جديدة. حيث بدأوا في نقضها وبيان تناقضها، وأوضحوا للناس وجه مخالفتها للإسلام ومنهجه جملة وتفصيلًا.
بل أخذت المواجهة أبعادًا أكثر عمقًا، عندما قام بعض الأئمة بنقض الفلسفة باستعمال قواعدها وأصولها ومصطلحاتها كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من مصنف. [1]
المثال الثالث: النهي عن الجدل والمراء ومناظرة أهل البدع أصل أصيل في منهج أهل السنة والجماعة. ولكن هل هي قاعدة مطردة لا استثناء فيها؟.
نجد الجواب عمليًا في مناظرة ابن عباس - رضي الله عنهما - للخوارج، ومناظرة الإمام أحمد للمعتزلة، ومناظرة الإمام عبد العزيز الكناني لبشر المريسي المبتدع.
إذن القاعدة والأصل هو عدم الجدال وترك المناظرة، ولكن إذا كانت المناظرة سيترتب عليها: إقامة الحجة وإفحام الخصوم، ودحض الشبهة ورد الناس إلى الحق، ووقعت من عالم متمكن في الشريعة، خبير بشبهات من يرد عليهم؛ كانت تلك الحالة مستنثاة من القاعدة والأصل.
المثال الرابع: اختلفت مواقف أهل السنة والجماعة من أهل البدع وفي التعامل مع المخالف تبعًا لاختلاف الأعصار والأمصار والأحوال. فنجد اختلافًا بينًا بين مواقفهم في العصور الأولى حيث كانت القوة والغلبة والظهور للسنة وأهلها، وبين مواقفهم في العصور المتأخرة حيث تبدلت الأحوال، وانتشرت البدعة وقوي أهلها.
يقول الإمام الشاطبي:"إن القيام عليهم - أي أهل البدع - بالتثريب أو التنكيل أو الطرد أو الإبعاد أو الإنكار هو بحسب حال البدعة في نفسها من كونها عظيمة المفسدة في الدين، أم لا، وكون صاحبها مشتهرًا بها أو لا، وداعيًا إليها أو لا، ومستظهرًا بالأتباع وخارجًا عن الناس أو لا، وكونه عاملًا بها على جهة الجهل أو لا."