فهرس الكتاب

الصفحة 362 من 570

فقال: الصور اسم مشترك قد يطلق على ترتيب الأشكال ووضع بعضها ما بعض واختلاف تركيبها، وهي الصورة المحسوسة، وقد يطلق على ترتيب المعاني التي ليست محسوسة، بل للمعاني ترتيب أيضا وتركيب وتناسب، ويسمى ذلك صورة، فيقال: صورة المسألة كذا وكذا، وصورة الواقعة وصورة المسألة الحسابية والعقلية كذا، والمراد بالتسوية في هذه الصورة هي الصورة المعنوية، والإشارة به إلى المضاهاة التي ذكرناها ويرجعه ذلك إلى الذات والصفات والأفعال، فحقيقة ذات الروح أنه قائم بنفسه ليس بعرض ولا بجسم ولا جوهر متحيز ولا يحل المكان والجهة ولا هو متصل بالبدن والعالم، ولا هو منفصل، ولا هو داخل في أجسام العالم والبدن، ولا هو خارج، وهذا كله في حقيقة ذات اللّه تعالى، وأما الصفات فقد خلق حيا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا متكلما، واللّه تعالى كذلك. وأما الأفعال فمبدأ فعل الآدمي إرادة يظهر أثرها في القلب أولا فيسري منه أثر بواسطة الروح الحيواني الذي هو بخار لطيف في تجويف القلب، فيتصاعد منه إلى الدماغ ثم يسرى منه إلى الأعصاب الخارجة من الدماغ، ومن الأعصاب إلى الأوتار والرباطات المتعلقة بالعضل، فتنجذب الأوتار فيتحرك بها الأصابع، ويتحرك بالأصابع القلم، وبالقلم المداد مثلا، فيحدث منه صورة ما يريد كتبه على وجه القرطاس على الوجه المتصور في خزانة التخيل، فإنه ما لم يتصور في خياله صورة المكتوب أولا لا يمكن إحداثه على البياض ثانيا، ومن استقرأ أفعال اللّه تعالى وكيفية إحداثه النبات والحيوان على الأرض بواسطة تحريك السماوات والكواكب، وذلك بطاعة الملائكة له في تحريك السماوات علم أن تصرف الآدمي في عالمه أعني بدنه يشبه تصرف الخالق في العالم الأكبر وهو مثله، وانكشف له أن نسبة شكل القلب إلى تصرفه نسبة العرش ونسبة الدماغ نسبة الكرسي والحواس كالملائكة الذين يطيعون اللّه طبعا ولا يستطيعون خلافا، والأعصاب والأعضاء كالسماوات، والقدرة في الأصابع كالطبيعة المسخرة المركوزة في الأجسام، والقرطاس والقلم والمداد كالعناصر التي هي أمهات المركبات في قبول الجمع والتركيب والتفرقة ومرآة التخيل كاللوح المحفوظ فمن اطلع بالحقيقة على هذه الموازنة عرف معنى قوله عليه السلام: إن اللّه تعالى خلق آدم على صورته، ومعرفة ترتيب أفعال اللّه تعالى معرفة غامضة يحتاج فيها إلى تحصيل علوم كثيرة، وما ذكرناه إشارة إلى جملة منها.

قيل له: فما معنى قوله عليه السلام:"من عرف نفسه فقد عرف ربه"؟

قال: لأن الأشياء تعرف بالأمثلة المناسبة، ولو لا المضاهات المذكورة لم يقدر الإنسان على الترقي من معرفة نفسه إلى معرفة الخالق، فلو لا أن اللّه تعالى جمع في الآدمي ما هو مثال جملة العالم حتى كأنه نسخة مختصرة من العوالم، وكأنه رب في عالمه متصرف لما عرف العالم والتصرف والربوبية والعقل والقدرة والعلم وسائر الصفات الإلهية، فصارت النفس بمضاهاتها وموازناتها مرقاة إلى معرفة خالق النفس، وفي استكمال المعرفة بالمسألة التي قبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت