فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 570

هذه ما ينكشف الغطاء عن وجه هذه المسألة.

فقيل له: إن كانت الأرواح حادثة مع الأجساد فما معنى قوله عليه السلام:"خلق اللّه الأرواح قبل الأجساد بألفي عام"، وقوله عليه السلام:"أنا أوّل الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا"، وقوله:"كنت نبيّا وآدم بين الماء والطّين"؟

فقال: ليس في هذا ما يدل على قدم الروح، بل يدل على حدوثه، وكونه مخلوقا. نعم ربما دل بظاهره على تقدم وجوده على الجسد وأمر الظواهر هيّن، فإن تأويلها ممكن والبرهان القاطع لا يدرء بالظواهر بل يسلط على تأويل الظواهر، كما في ظواهر التشبيه في حق اللّه تعالى.

أما قوله عليه السلام:"خلق اللّه الأرواح قبل الأجساد"، فلعله أراد بالأرواح الملائكة، وبالأجساد أجساد العالم من العرش والكرسي والكواكب والهواء والأرض والماء، وكما أن أجساد الآدمين بجملتهم صغيرة بالإضافة إلى جرم الأرض وجرم الأرض أصغر من جرم الشمس بكثير، ثم لا نسبة لجرم الشمس إلى فلكها ولا لفلكها إلى السماوات التي فوقه، ثم كل ذلك اتسع له الكرسي إذ وسع كرسيّه السماوات والأرض، والكرسي صغير بالإضافة إلى العرش، فإذا تفكرت في جميع ذلك استحقرت أجساد الآدميين ولم تفهمها من مطلق لفظ الأجساد، فكذلك فاعلم وتحقق أن أرواح البشر بالإضافة إلى أرواح الملائكة كأجسادهم بالإضافة إلى أجساد العالم، ولو انفتح لك باب معرفة الأرواح لرأيت الأرواح البشرية بالإضافة إلى أرواح الملائكة كسراج اقتبست من نار عظيم طبق العالم، وتلك النار العظيمة هي أرواح الملائكة، ولأرواح الملائكة ترتيب وكل واحد منفرد برتبته، ولا يجتمع في مرتبة واحدة اثنان بخلاف الأرواح البشرية المتكثرة مع اتحاد النوع والرتبة. أما الملائكة، فكل واحد نوع برأسه هو كل ذلك النوع وإليه الإشارة بقوله تعالى:

وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ [الصافات: 164 و165] .

و يقوله عليه السلام: الراكع منهم لا يسجد والقائم لا يركع، وإنه ما من واحد منهم إلا له مقام معلوم، فلا يفهم إذا من الأرواح والأجساد المطلقة إلا أرواح الملائكة وأجساد العالم.

و أما قوله عليه السلام:"أنا أوّل الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا"، فالخلق هنا هو التقدير دون الإيجاد، فإنه قبل أن ولدته أمه لم يكن موجودا مخلوقا، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير لاحقة في الوجود، وهو معنى قولهم: أول الفكر آخر العمل. بيانه أن المهندس المقدر للدار أول ما يمثل في نفسه صورة الدار، فيحصل في تقديره دار كاملة، وآخر ما يوجد من أثر أعماله هي الدار الكاملة وهي أول الأشياء في حقّه تقديرا وآخرها وجودا، لأن ما قبلها من ضرب اللبن وبناء الحيطان وتركيب الجذوع وسيلة إلى غاية وكمال وهي الدار، ولأجلها تقدمت الآلات والأعمال، فإذا عرفت هذا فاعلم أن المقصود فطرة الآدميين إدراكهم بسعادة القرب من الحضر الإلهية، ولم يكن ذلك إلا بتعريف الأنبياء وكانت النبوة مقصودة بالإيجاد، والمقصود كمالها وغايتها لا أولها، وإنما تكمل بحسب سنة اللّه تعالى بالتدريج كما تكمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت