فهرس الكتاب

الصفحة 396 من 570

أن الإخوة ثلاثة: أخ لآخرتك، فلا تراع فيه إلا الدين. وأخ لدنياك، فلا تراع فيه إلا الخلق الحسن. وأخ لتأنس به، فلا تراع فيه إلا السلامة من شره وفتنته وخبثه.

و الناس ثلاثة: أحدهم مثله مثل الغذاء لا يستغنى عنه. والآخر مثله مثل الدواء يحتاج إليه في وقت دون وقت. والثالث مثله مثل الداء لا يحتاج إليه قط ولكن العبد قد يبتلى به، وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع، فتجب مداراته إلى الخلاص منه، وفي مشاهدته فائدة عظيمة إن وفقت لها، وهو أن تشاهد من خبائث أحواله وأفعاله ما تستقبحه فتجتنبه؛ فالسعيد من وعظ بغيره، والمؤمن مرآة المؤمن، وقيل لعيسى عليه السلام: من أدبك؟ فقال: ما أدبني أحد ولكن رأيت جهل الجاهل فاجتنبته. ولقد صدق على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فلو اجتنب الناس ما يكرهونه من غيرهم لكملت آدابهم واستغنوا عن المؤدبين.

الوظيفة الثانية: مراعاة حقوق الصحبة؛ فمهما انعقدت الشركة، وانتظمت بينك وبين شريكك الصحبة، فعليك حقوق يوجبها عقد الصحبة وفي القيام بها آداب؛ وقد قال صلى اللّه عليه وسلم:

«مثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى» ودخل صلى اللّه عليه وسلم أجمة فاجتنى منها سواكين:

أحدهما معوج والآخر مستقيم، وكان معه بعض أصحابه، فأعطاه المستقيم وأمسك لنفسه المعوج فقال: يا رسول اللّه، أنت أحق مني بالمستقيم، فقال صلى اللّه عليه وسلم: «ما من صاحب يصحب صاحبا ولو ساعة من نهار إلّا ويسأل عن صحبته هل أقام فيها حقّ اللّه تعالى أو أضاعه» وقال صلى اللّه عليه وسلم: «ما اصطحب اثنان قطّ إلّا وكان أحبّهما إلى اللّه تعالى أرفقهما بصاحبه» .

و آداب الصحبة الإيثار بالمال، فإن لم يكن هذا فبذل الفضل من المال عند الحاجة، والإعانة بالنفس في الحاجات على سبيل المبادرة من غير إحواج إلى التماس، وكتمان السر، وستر العيوب، والسكوت عن تبليغ ما يسوؤه من مذمة الناس إياه، وإبلاغ ما يسره من ثناء الناس عليه، وحسن الإصغاء عند الحديث، وترك المماراة فيه، وأن يدعوه بأحب أسمائه إليه، وأن يثني عليه بما يعرف من محاسنه، وأن يشكره على صنيعه في وجهه، وأن يذبّ عنه في غيبته إذا تعرض لعرضه كما يذب عن نفسه، وأن ينصحه باللطف والتعريض إذا احتاج إليه، وأن يعفو عن زلته وهفوته فلا يعتب عليه، وأن يدعو له في خلوته في حياته وبعد مماته، وأن يحسن الوفاء مع أهله وأقاربه بعد موته، وأن يؤثر التخفيف عنه فلا يكلفه شيئا من حاجاته ويروح قلبه من مهماته، وأن يظهر الفرج بجميع ما يرتاح له من مساره، والحزن على ما يناله من مكاره، وأن يضمر في قلبه مثل ما يظهر فيكون صادقا في ودّه سرّا وعلانية، وأن يبدأه بالسلام عند إقباله، وأن يوسع له في المجلس، وأن يخرج له من مكانه، وأن يشيعه عند قيامه، وأن يصمت عند كلامه حتى يفرغ من كلامه ويترك المداخلة في كلامه؛ وعلى الجملة فيعامله بما يحب أن يعامل به، فمن لا يحب لأخيه مثل ما يحب لنفسه فأخوّته نفاق، وهي عليه وبال في الدنيا والآخرة، فهذا أدبك في حق العوالم المجهولين وفي حق الأصدقاء المؤاخين.

و أما القسم الثالث وهم المعارف؛ فاحذر منهم، فإنك لا ترى الشر إلا ممن تعرفه، أما الصديق فيعينك وأما المجهول فلا يتعرض لك، وإنما الشر كله من المعارف الذين يظهرون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت