فهرس الكتاب

الصفحة 397 من 570

الصداقة بألسنتهم. فأقلل من المعارف ما قدرت، فإذا بليت بهم في مدرسة أو مسجد او جامع أو سوق أو بلد، فيجب أن لا تستصغر منهم أحدا، فإنك لا تدري لعله خير منك، ولا تنظر إليهم بعين التعظيم لهم في حال دنياهم فتهلك، لأن الدنيا صغيرة عند اللّه تعالى صغير ما فيها، ومهما عظم أهل الدنيا في قلبك فقد سقطت من عين اللّه تعالى. وإياك أن تبذل دينك لتنال به من دنياهم، فلا يفعل ذلك أحد إلا صغر في أعينهم، ثم حرم ما عندهم. وإن عادوك فلا تقابلهم بالعداوة، فإنك لا تطيق الصبر على مكافأتهم، فيذهب دينك في عداوتهم، ويطول عناؤك معهم. ولا تسكن إليهم في حال إكرامهم إياك، وثنائهم عليك في وجهك، وإظهارهم المودة لك، فإنك إن طلبت حقيقة ذلك لم تجد في المائة واحدا، ولا تطمع أن يكون لك في السر والعلن واحد. ولا تتعجب إن ثلبوك في غيبتك ولا تغضب منهم، فإنك إن أنصفت وجدت من نفسك مثل ذلك حتى في أصدقائك وأقاربك، بل في أستاذك ووالديك، فإنك تذكرهم في الغيبة بما لا تشافههم به. فاقطع طمعك عن مالهم وجاههم ومعونتهم؛ فإن الطامع في الأكثر خائب في المآل، وهو ذليل لا محالة في الحال. وإذا سألت واحدا حاجة فقضاها فاشكر اللّه تعالى واشكره، وإن قصر فلا تعاتبه ولا تشكه فيصير عداوة له؛ وكن كالمؤمن يطلب المعاذير، ولا تكن كالمنافق يطلب العيوب، وقل لعله قصر لعذر له لم أطلع عليه. ولا تعظن أحدا منهم ما لم تتوسم فيه أولا مخايل القبول، وإلا لم يستمع منك وصار خصما عليك، فإذا أخطؤوا في مسألة وكانوا يأنفون من التعلم فلا تعلمهم، فإنهم يستفيدون منك علما ويصبحون لك أعداء؛ إلا إذا تعلق ذلك بمعصية يقارفونها عن جهل منهم، فاذكر الحق بلطف من غير عنف، وإذا رأيت منهم كرامة وخيرا فاشكر اللّه الذي حببك إليهم، وإذا رأيت منهم شرّا فكلهم إلى اللّه تعالى، واستعذ بالله من شرهم، ولا تعاتبهم، ولا تقل لهم: لم لم تعرفوا حقي وأنا فلان بن فلان وأنا الفاضل في العلوم؟ فإن ذلك من كلام الحمقى؛ وأشد الناس حماقة من يزكي نفسه ويثني عليها. واعلم أن اللّه تعالى لا يسلطهم عليك إلا لذنب سبق منك، واستغفر اللّه من ذنبك واعلم أن ذلك عقوبة من اللّه تعالى. وكن فيما بينهم سميعا لحقهم، أصم عن باطلهم، نطوقا بمحاسنهم، صموتا عن مساويهم واحذر مخالطة متفقهة الزمان، لا سيما المشتغلين بالخلاف والجدال، واحذر منهم، فإنهم يتربصون بك بحسدهم ريب المنون، ويقطعون عليك بالظنون، ويتغامزون وراءك بالعيون، ويحصون عليك عثراتك في عشيرتهم حتى يجبهوك بها في حال غيظهم ومناظرتهم. لا يقيلون لك عثرة، ولا يغفرون لك زلة، ولا يسترون عليك عورة. يحاسبونك على النقير والقطمير، ويحسدونك على القليل والكثير، ويحرضون عليك الإخوان بالنميمة والبلاغات والبهتان. إن رضوا فظاهرهم الملق، وإن سخطوا فباطنهم الحنق. ظاهرهم ثياب، وباطنهم ذئاب، هذا ما قطعت به المشاهدة على أكثرهم إلا من عصمه اللّه تعالى؛ فصحبتهم خسران، ومعاشرتهم خذلان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت