مباهاة الأقران، ولو اشتغلوا بتصفية قلوبهم كان خيرا لهم من علم لا ينفع إلا في الدنيا والتكبر، وذلك ينقلب في الآخرة نارا تلظّى.
و أما أدلة المذهب فيشتمل عليها كتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم فما أقبح غرور هؤلاء! (و فرقة أخرى) اشتغلوا بعلم الكلام والمجادلة، والرد على المخالفين وتتبع مناقضاتهم، واستكثروا من علم المقولات المختلفة، واشتغلوا بتعليم الطريق في مناظرة أولئك وإفحامهم، ولكنهم على فرقتين: إحداهما ضالة مضلة والأخرى محقة، أما غرور الفرقة الضالة فلغفلتها على ضلالتها وظنها بنفسها النجاة، وهم فرق كثيرة يكفر بعضهم بعضا؛ وإنما ضلوا من حيث إنهم لم يحكموا لشروط الأدلة ومنهاجها، فرأوا الشبهة دليلا والدليل شبهة. وأما غرور الفرقة المحقة فمن حيث إنهم ظنوا الجدل أنه أهم الأمور وأفضل القربات في دين اللّه، وزعموا أنه لا يتم لأحد دينه ما لم يبحث، وأن من صدق اللّه من غير بحث وتحرير لدليل فليس بمؤمن ولا بكامل ولا بمقرب عند اللّه تعالى. ولم يلتفتوا إلى القرن الأول، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم شهد لهم بأنهم خير الخلق ولم يطلب منهم الدليل. وروى أبو أمامة الباهلي رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: «ما ضلّ قوم قطّ إلّا أوتوا الجدل» .
(و فرقة أخرى) اشتغلوا بالوعظ، وإعلاء رتبة من يتكلم في أخلاق النفس وصفات القلب، من الخوف والرجاء والصبر والشكر والتوكل والزهد واليقين والإخلاص والصدق. وهم مغرورون لأنهم يظنون أنهم إذا تكلموا بهذه الصفات ودعوا الخلق إليها فقد اتصفوا بها، وهم منفكون عنها إلا من قدر يسير لا ينفك عنه عوام المسلمين. وغرور هؤلاء أشد الغرور، لأنهم يعجبون بأنفسهم غاية الإعجاب، ويظنون أنهم ما تبحروا في علم المحبة إلا وهم من الناجين عند آ، وأنهم مغفور لهم بحفظهم لكلام الزهاد مع خلوهم من العمل.
و هؤلاء أشد غرورا ممن كان قبلهم، لأنهم يظنون أنهم يحببون في اللّه ورسوله، وما قدروا على تحقيق دقائق الإخلاص إلا وهم مخلصون، ولا وقفوا على خفايا عيوب النفس إلا وهم عنها منزهون، وكذلك جميع الصفات، وهم أحب في الدنيا من كل أحد، ويظهرون الزهد في الدنيا لشدة حرصهم عليها وقوة رغبتهم فيها، ويحثون على الإخلاص وهم غير مخلصين، ويظهرون الدعاء إلى اللّه وهم منه فارون، ويخوفون بالله وهم منه آمنون، ويذكّرون بالله وهم ناسون، ويقربون إلى اللّه وهم منه متباعدون، ويذمون الصفات المذمومة وهم بها متصفون، ويصرفون الناس عن الخلق وهم على الخلق أشدهم حرصا، لو منعوا عن مجالسهم التي يدعون فيها الناس إلى اللّه لضاقت عليهم الأرض بما رحبت. ويزعمون أن غرضهم إصلاح الخلق، ولو ظهر من أقران أحدهم من أقبل الخلق عليه ومن صلحوا على يديه لمات غمّا وحسدا، ولو أثنى واحد من المترددين إليه على بعض أقرانه لكان أبغض خلق اللّه إليه. فهؤلاء أعظم غرورا، وأبعد عن التنبيه والرجوع إلى السداد.