(و فرقة أخرى) عدلوا عن المهم الواجب في الوعظ وهم وعاظ أهل هذا الزمان كافة، إلا من عصمه اللّه، فاشتغلوا بالطاعات والشطح وتلفيق كلمات خارجة عن قانون الشرع والعدل طلبا للإغراق. وطائفة اشتغلوا بتيارات النكت وتسجيع الألفاظ وتلفيقها، وأكثر همهم في الأسجاع والاستشهاد بأشعار الوصال والفراق. وغرضهم أن يكثر في مجلسهم التواجد والزعقات ولو على أغراض فاسدة. فهؤلاء شياطين الإنس ضلوا وأضلوا، فإن الأولين إن لم يصلحوا أنفسهم فقد أصلحوا غيرهم وصححوا كلامهم ووعظهم؛ وأما هؤلاء فإنهم يصدون عن سبيل اللّه، ويجرون الخلق إلى الأغراض والغرور بالله بلفظ الخرافة، جراءة على المعاصي ورغبة في الدنيا، لا سيما إذا كان الواعظ متزينا بالثياب والخيلاء والمرائي، ويعظهم بالقنوط من رحمة اللّه حتى ييأسوا من رحمته.
(و فرقة أخرى منهم) قنعوا بكلام الزهاد وأحاديثهم في ذم الدنيا، فيعيدونها على نحو ما يحفظون من كلام من حفظوه من غير إحاطة بمعانيه، فيعظهم الواحد منهم بذلك على المنابر، وبعضهم يعظون الناس في الأسواق مع الجلساء، ويظن أنه ناج عند اللّه وأنه مغفور له بحفظه كلام الزهاد مع خلوه من العمل. وهؤلاء أشد غرورا ممن كان قبلهم.
(و فرقة أخرى) استغرقوا أوقاتهم في علم الحديث، أعني في سماعه، وجمع الروايات الكثيرة منه، وطلب الأسانيد الغريبة العالية. فهمّ أحدهم أن يدور في البلاد ويروي عن الشيوخ ليقول: أنا أروي عن فلان، ولقيت فلانا، ومعي من الأسانيد ما ليس مع غيري.
و غرورهم من وجوه: منها أنهم كحملة الأسفار، فإنهم لا يصرفون العناية إلى فهم السنة وتدبر معانيها، وإنما هم مقتصرون على النقل، ويظنون أن ذلك يكفيهم؛ وهيهات! بل المقصود من الحديث فهمه وتدبر معانيه، فالأول في الحديث السماع ثم الحفظ ثم الفهم ثم العمل ثم النشر، وهؤلاء اقتصروا على السماع ثم لم يحكموه، وإن كان لا فائدة في الاقتصار عليه والحديث في هذا الزمان يقرأه الصبيان، وهم غرة غافلون، والشيخ الذي يقرأ عليه ربما يكون غافلا حتى يصحف الحديث ولا يعلم، وربما ينام ويروى عنه الحديث وهو لا يعلم.
و كل ذلك غرور، وإنما الأصل في استماع الحديث أن يسمعه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فيحفظه كما سمعه ويؤديه كما حفظه، فتكون الرواية عن الحفظ والحفظ عن السماع، فإن عجز عن سماعه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سمعه من الصحابة أو من التابعين، فيصير سماعه منهم كسماعه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وهو أن يصغي ويحفظ ويرويه كما حفظه حتى لا يشك في حرف واحد منه، وإن شك فيه لم يجز له أن يرويه أو يعلم به ويخطئ به إن أخطأ.
و حفظ الحديث يكون بطريقين: أحدهما بالقلب مع الاستدامة والذكر. والثاني يكتب ما يسمع ويصحح المكتوب ويحفظه كيلا تصل إليه يد من يغيره، ويكون حفظه للكتاب أن يكون في خزانته محروسا حتى لا تمتد إليه يد غيره أصلا. ولا يجوز أن يكتب سماع الصبي والغافل