فهرس الكتاب

الصفحة 438 من 570

لشدة الاحتياط ويفوته الاستماع للفاتحة، ويفعل ذلك في أول الصلاة ثم يغفل في جميعها، ولا يحضر قلبه ويغتر بذلك، ولم يعلم أن حضور القلب في الصلاة هو الواجب، وإنما غره إبليس وزين له ذلك وقال له: ذلك الاحتياط تتميز به عن العوام وأنت على خير عند ربك.

(و فرقة أخرى) غلبت عليهم الوسوسة في إخراج حروف الفاتحة من مخارجها وكذلك سائر الأذكار، فلا يزال يحتاط في التشديدات والفرق بين الضاد والظاء، لا يهمه غير ذلك، ولا يتفكر في أسرار فاتحة الكتاب ولا في معانيها؛ ولم يعلم أنه لم يكلف الخلق في تلاوة القرآن من تحقيق مخارج الحروف إلا بما جرت به عادتهم في الكلام؛ وهذا غرور عظيم. ومثلهم من حمل الرسالة إلى مجلس السلطان وأمر أن يؤديها على وجهها، فأخذ يؤدي الرسالة ويتأنق في مخارج الحروف ويعيدها مرة بعد أخرى، وهو مع ذلك غافل عن مقصود الرسالة ومراعاة حرمة المجلس؛ فهذا لا شك أنه تقام عليه السياسة، ويرد إلى دار المجانين، ويحكم عليه بفقد العقل.

(و فرقة أخرى) اغتروا بتلاوة القرآن، فيهدروا به هدرا، ربما يختمون في اليوم والليلة ختمة، وألسنتهم تجري به وقلوبهم تتردد في أودية الأماني والتفكر في الدنيا، ولا تتفكر في معاني القرآن لينزجر بزواجره، ويتعظ بمواعظه، ويقف عند أوامره ونواهيه، ويعتبر بمواضع الاعتبار منه، ويتلذذ به من حيث المعنى لا من حيث النظم. فمن قرأ كتاب اللّه في اليوم والليلة مائة مرة ثم ترك أوامره ونواهيه، يستحق العقوبة. وربما كان له صوت طيب، فهو يقرأ ويتلذذ به ويغتر باستلذاذه، ويظن أن ذلك لذة مناجاة اللّه سبحانه وسماع كلامه، وهيهات ما أبعده! إذ لذته في صوته، فلو أدرك لذة كلام اللّه ما نظر إلى صوته وطيبه، ولا تعلق خاطره به؛ ولذة كلام اللّه إنما هي من حيث المعنى؛ فهو في غرور عظيم.

(و فرقة أخرى) اغتروا بالصوم، وربما صاموا الدهر وصاموا الأيام الشريفة، وهم في ذلك لا يحفظون ألسنتهم عن الغيبة، ولا خواطرهم عن الرياء، ولا بطونهم عن الحرام عند الإفطار ولا من الهذيان بأنواع الفضول. فهؤلاء تركوا الواجب، واتبعوا المندوب، وظنوا أنهم يسلمون، وهيهات! إنما يسلم من أتى اللّه بقلب سليم؛ فهم مغرورون أشد الغرور.

(و فرقة أخرى) اغتروا بالحج من غير خروج عن المظالم وقضاء الديون واسترضاء الوالدين وطلب الزاد الحلال، وربما ضيعوا الصلاة المكتوبة في الطريق، وربما عجزوا عن طهارة الثوب والبدن، ويتعرضون لمكس الظلمة حتى يؤخذ منه، ولا يحترزون في الطريق من الرفث والخصام. وربما جمع بعضهم الحرام فأنفقه على الرفقاء في الطريق وهو يطلب به الرياء والسمعة، فيعصي اللّه في كسب الحرام أولا، وفي إنفاقه للرياء ثانيا. ثم يبلغ إلى الكعبة ويحضرها بقلب ملوث برذائل الأخلاق وذميم الصفات، وهو مع ذلك يظن أنه على خير من ربه، وهو مغرور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت