فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
(و فرقة أخرى) أخذت في طريق الخشية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وينكر أحدهم على الناس ويأمرهم بالخير وينسى نفسه، وإذا أمرهم بالخير عنف وطلب الرئاسة والعزة، وإذا باشر منكرا وأنكره عليه أحد غضب وقال: أنا المحتسب فكيف تنكر علي! وقد يجمع الناس في المسجد، ومن تأخر عنه أغلظ عليه في القول. وربما عرض له الرياء والسمعة والرئاسة، وعلامته أنه لو قام بالمسجد غيره تجرأ عليه، ومنهم من يؤذن ويظن أنه يؤذن للّه، ولو جاء غيره وأذن في وقت غيبته قامت عليه القيامة وقال: لم آخذ حقي وزوحمت. ومنهم من يتقيد إمام مسجد يظن أنه خير، وغرضه أن يقال إنه إمام مسجد كذا وكذا؛ وعلامته أنه لو قدم غيره وإن كان أورع منه وأعلم ثقل عليه ذلك.
(و فرقة أخرى) جاوروا بمكة والمدينة واغتروا بهما، ولم يراقبوا قلوبهم ولم يطهروا ظواهرهم وبواطنهم، وربما كانت قلوبهم متعلقة ببلادهم ومنازلهم. وتراهم يتحدثون بذلك ويقولون جاورت بمكة كذا وكذا سنة. وهذا مغرور، لأن الأقوم له أن يكون في بلده وقلبه متعلق بمكة. وإن جاور فليحفظ حق الجوار؛ فإن جاور بمكة حفظ حق اللّه، وإن جاور بالمدينة حفظ حق النبي صلى اللّه عليه وسلم، ومن يقدر على ذلك. وهؤلاء مغرورون بالظواهر، فظنوا أن الحيطان تنجيهم، وهيهات! وربما لم تسمح نفسه بلقمة يتصدق بها على فقير. وما أصعب المجاورة في حق الخلق، فكيف مجاورة الخالق! وما أحسن مجاورته بحفظ جوارحه وقلبه.
(و فرقة أخرى) زهدت في المال، وقنعت من الطعام واللباس بالدون، ومن المسكن بالمساجد، وظنوا أنهم أدركوا رتبة الزهاد، وهم مع ذلك راغبون في الرئاسة والجاه. والرئاسة إنما تحصل بأحد أشياء: إما بالعلم، أو بالوعظ، أو بمجرد الزهد؛ فقد تركوا أهون الأمرين وبادروا إلى أعظم المهلكات؛ لأن الجاه أعظم من المال، ولو ترك أحدهم الجاه وأخذ المال كان إلى السلام أقرب.
و هؤلاء مغرورون، ظنوا أنهم من الزهاد في الدنيا وهم لم يعلموا معنى الدنيا، وربما يقدم الأغنياء على الفقراء. ومنهم من يعجب بعلمه، ومنهم من يؤثر الخلوة والعزلة وهو عن شروطها خال، ومنهم من يعطى له المال فلا يأخذه خيفة أن يقال بطل زهده، وهو راغب في المال والناس، خائف من ذمهم. ومنهم من شدد على نفسه في أعمال الجوارح حتى يصلي في اليوم والليلة مثلا ألف ركعة ويختم القرآن، وهو في جميع ذلك لا تخطر له مراعاة القلب وتفقده من الرياء والكبر والعجب وسائر المهلكات. وربما يظن أن العبادات الظاهرة ترجح بها كفة الحسنات، وهيهات! ذرة من ذي تقوى، وخلق واحد من خلق الأكياس، أفضل من أمثال الجبال عملا بالجوارح. ثم قد يغتر بقول من يقول له: إنك من أوتاد الأرض، أو من أولياء اللّه وأحبابه؛ فيفرح بذلك ويظهر له تزكية نفسه، ولو شوتم يوما واحدا مرتين أو ثلاثا لكفر وجاهد من فعل ذلك به، وربما قال لمن سبه: لا يغفر اللّه لك أبدا.