فهرس الكتاب

الصفحة 440 من 570

(و فرقة أخرى) حرصت على النوافل ولم يعظم اعتدادها بالفرائض؛ فترى أحدهم يفرح بصلاة الضحى وصلاة الليل وأمثال هذه النوافل، ولا يجد لصلاة الفرض لذة ولا خيرا من اللّه تعالى، لشدة حرصه على المبادرة بها في أول الوقت، وينسى قوله صلى اللّه عليه وسلم:"ما تقرّب المتقرّبون بأفضل من أداء ما افترضه اللّه عليهم".

و ترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور، بل قد يتعين على الإنسان فرضان: أحدهما يفوت والآخر لا يفوت، أو نفلان: أحدهما يضيق وقته والآخر يتسع وقته، فإن لم يحفظ الترتيب كان مغرورا ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى فإن المعصية ظاهرة، وإنما الغامض تقديم بعض الطاعات على بعض كتقديم الفرائض كلها على النوافل، وتقديم فروض الأعيان على فروض الكفايات التي لا قائم بها على ما قام بها غيره، وتقديم الأهم من فروض الأعيان على ما دونه، وتقديم ما يفوت مثل تقديم حق الوالدة على الوالد، وتقديم نفقة الأبوين على الحج، وتقديم الجمعة إذا حضر وقتها على العيد، وتقديم الدين على فروض غيره. وما أعظم العبد أن ينفذ ذلك ويتنبه، ولكن الغرور في الترتيب دقيق خفي لا يقدر عليه إلا العلماء الراسخون في العلم.

الصنف الثالث من المغرورين أرباب الأموال

و هم فرق كثيرة:

(فرقة منهم) يحرصون على بناء المساجد والمدارس والرباطات والقناطر والصهاريج للماء وما يظهر للناس، ويكتبون أسماءهم بالآجر عليه ليتخلد ذكرهم ويبقى بعد الموت أثرهم، وهم يظنون أنهم استحقوا المغفرة بذلك؛ وقد اغتروا فيه من وجهين:

أحدهما: أنهم اكتسبوها من الظلم والشبهات والرشا والجاهات المحظورة؛ فهؤلاء قد تعرضوا لسخط اللّه في كسبها، فإذا عصوا اللّه في كسبها فالواجب عليهم التوبة ورد الأموال إلى أهلها إن كانوا أحياء، وإلى ورثتهم إن لم يبق منهم أحد وانقرضوا. فإن لم يبق لهم ورثة فالواجب عليهم أن يصرفوها في أهم المصالح، وربما يكون الأهم التفرقة على المساكين؛ فأي فائدة في بنيان يستغني عنه ويموت ويتركه؟ وإنما غلب على هؤلاء الرياء والشهرة ولذة الذكر.

و الوجه الثاني: أنهم يظنون بأنفسهم الإخلاص وقصد الخير في الإنفاق وعلو الأبنية، ولو كلف واحد منهم أن ينفق دينارا على مسكين لم تسمح نفسه بذلك، لأن حب المدح والثناء مستكن في باطنه.

(و فرقة أخرى) ربما اكتسبوا المال الحلال، واجتنبوا الحرام، وأنفقوه على المساجد. وهم أيضا مغرورون من وجهين:

أحدهما: الرياء وطلب السمعة والثناء؛ فإنه ربما يكون في جواره أو بلده فقراء وصرف المال إليهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت