فهرس الكتاب

الصفحة 441 من 570

أهم، فإن المساجد كثيرة والغرض منها الجامع وحده فيجزئ عن غيره، وليس الغرض بناء مسجد في كل سكة وفي كل درب؛ والمساكين والفقراء محتاجون. وإنما خف عليهم دفع المال في بناء المساجد لظهور ذلك بين الناس، ولا يسمع في الثناء عليه من عند الخلق، فيظن أنه يعمل للّه وهو يعمل لغير اللّه (و نيته أعلم بذلك، وإنما نيته عليه غضب، وقال إنما قصدت اللّه عز وجل) .

و الثاني: أنه يصرف في زخرفة المساجد وتزيينها بالنقوش المنهي عنها الشاغلة قلوب المصلين، لأنهم ينظرون إليها فتشغلهم عن الخضوع في الصلاة عن حضور القلب وهو المقصود من الصلاة؛ فكل ما طرأ في صلاتهم وفي غير صلاتهم فهو في ميزان الذي بناه، إذ لا يحل تزيين المسجد بوجه. قال الحسين رضي اللّه عنه: لما أراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يبني مسجده بالمدينة أتاه جبريل وقال: ابنه سبعة أذرع طولا في السماء فلا تزخرفه، ولا تنقشه، فهؤلاء رأوا المنكر معروفا واتكلوا عليه فهم مغرورون في ذلك.

(و فرقة أخرى) ينفقون الأموال في الصدقات على الفقراء والمساكين ويطلبون به المحافل الجامعة، ومن الفقراء من عادته الشكر وإفشاء المعروف، فيكرهون التصدق في السر، ويرون إخفاء الفقير لما يأخذ منهم خيانة عليهم وكفرانا للمعروف، وربما تركوا جيرانهم جائعين؛ ولذلك قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: في آخر الزمان يكثر الحاج بلا سبب؛ يهوى لهم السفر، ويبسط لهم في الرزق، ويرجعون مجرمين مسلوبين يهوى بأحدهم بعيره بين القفار والرمال، وجاره مأثور إلى جنبه فلا يواسيه ولا يتفقده.

(و فرقة أخرى) من أرباب الأموال؛ يحتفظون بالأموال ويمسكونها بحكم البخل، ويشتغلون بالعبادة البدنية التي لا يحتاجون فيها إلى نفقة كصيام النهار وقيام الليل وختم القرآن. وهم مغرورون، لأن البخل المهلك قد استولى على بواطنهم، فهم محتاجون إلى قمعه بإخراج المال، فاشتغلوا بطلب فضائل وهم مشتغلون عنها. ومثلهم كمثل من دخلت في ثوبه حية وقد أشرف على الهلاك، فاشتغل بطلب السكنجبين ليسكن به الصفراء؛ ومن لدغته الحية كيف يحتاج إلى ذلك؟ وقيل لبشر الحافي: إن فلانا كثير الصوم والصلاة؛ فقال: المسكين ترك حاله ودخل في حال غيره، إنما حال هذا إطعام الطعام للجائع والإنفاق على المساكين، فهو أفضل له من تجويع نفسه ومن صلاته مع جمعه الدنيا ومنعه الفقراء.

(و فرقة أخرى) غلب عليها البخل، فلا تسمح نفوسهم إلا بأداء الزكاة فقط، ثم إنهم يخرجونها من المال الخبيث الرديء الذين يرغبون عنه. ويطلبون من الفقراء من يخدمهم ويتردد في حوائجهم، أو من يحتاجون إليه في المستقبل للاستئجار له في الخدمة، ومن لهم فيه على الجملة غرض، ويسلمونها إلى شخص يعينه واحد من الكبار ممن يستظهر بخشيته لينال بذلك عنده منزلة فيقوم بحاجته، وكل ذلك مفسد للنية ومحبط للعمل، وصاحبه مغرور ويظن أنه مطيع للّه وهو فاجر، إذ يطلب بعبادة اللّه غرضا من غيره. فهذا وأمثاله مغرورون بالأموال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت