فهرس الكتاب

الصفحة 465 من 570

بعرش ربي بارزا. فقال عليه السلام: مؤمن نوّر اللّه قلبه الآن عرفت فالزم! واقسم عمرك وأيّامك ودهرك أثلاثا: ثلثا لنفسك، وثلثا لرعيّتك، وثلثا لربّك».

و اعلم أن الناس بك لائذون لطلب منافعهم، وكل أحد يريدك لنفسه إلا اللّه، فإنه يريدك لك، فكن معه ولازمه ولا تستهويك الأماني، فالظل لا بد أن يزول ولو عمرت ما عاش آدم، أخبرني الأستاذ الجويني عن مشايخه: قيل لمحمود بن بويه: كيف عمدت إلى طلب المملكة ولم تكن لها أهلا؟ فقال: سمعت امرأة تنقر دفا وتقول بيتا لعمر بن سبطي (شعر) :

من هاب خاب وجاسر بلغ المنا ... و الدّهر فيه عذوبة وعذاب

فحملني ذلك على طلبها فطلبتها ونلتها.

و قد تحالى المتنبي حيث قال (شعر) :

فثب واثقا بالله وثبة حازم ... يرى الموت في الهيجا جنا النّخل في الفم

و انظر إلى علو همة الحلاج، وإن كان قد قال الحاسدون فيه ورجموه بالحلول، وقد تلقى الموت غير خائف، ونطق ظاهره بما أعمى جهلتهم، حتى قيل لأبي العباس بن شريح: ما تقول في الحلاج؟ قال: ما أقول في رجل هو أفقه مني في الفقه، وفي الحقيقة ما أفهم ما يقول، فقيل له: ما سمعت منه من جملة ما سمعت؟ قال: سمعت في بعض كلامه وهو يشير إلينا: من حضر بطلت شهادته، ومن غاب صحت، وفي مثل هذا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:

"حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين"لأنهم واقعون مع صف التجلي، فما لهم والندم على ما كان والخوف مما يكون، صفت أحوالهم في راووق المجاهدة، فامتنعوا بطريق الدلال لا عن الالتفات إلى غيره، فطاروا بأجنحة علومهم المجموعة في المجاهدة والتصفية والتزكية فخرقوا حجاب الناسوت حتى وصلوا إليه، ضاقت بهم العبودية فخرجوا عن حيز العالمين، فمزجت الناسوتية بصفات اللاهوتية، ثم عادت النفوس الطاهرة إلى معادنها، فهبت عليهم نسمات واجب الوجود، فحلوا في خيام الراحة بعد البعث في مقعد صدق عند مليك مقتدر كما قال السكران من العشق (شعر) :

إنّما الحبّ فناء كلّه ... رحم اللّه امرأ قال به

إنّ من أضحى بقلبي سالما ... لم يذر منه سوى قالبه

في ظلال الشّوق قلبي راقد ... من هجير الهجر قد قال به

فإن لم تكن أيها الملك الطالب لا بهمة علوية ولا بيد باسطة سبعية فأنت كما قيل (شعر) :

إذا كنت لا ترجى لدفع ملمة ... و لا لذوي الحاجات عندك مطمع

و لا أنت ذو جاه يعاش بجاهه ... و لا أنت يوم الحشر ممّن يشفع

فعيشك في الدّنيا وموتك واحد ... و عود خلال من حياتك أنفع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت