يفيق ويتصور. وهذه الفوائد الملكوتية إنما تكون لكريم أو نسيب. نسأل اللّه أن يجود لنا بمعرفة ما نخوض به بحر أسرارها حتى يرتفع الشك والارتياب.
و مع هذه الأنواع الموصوفة لا يعقل منهم تكوين الليل والنهار إلا من كان عينه باقية لم يعرج به علوا. فمنهم من يعرف الجمعة والأعياد وإذا خرج أحد من الدنيا اجتمعوا إليه وعرفوه، فهذا يسأل عن زوجته وهذا يسأل عن والده، وكل واحد يسأل عن أربه. وربما مات الميت فلم يلق أحد معارفه لزيغ يصيبه عند الموت، فيموت يهوديا أو نصرانيا فيصير إلى عساكرهم، فإذا قدم أحد من الدنيا سأله جيرانه: ما علمك بفلان؟ فيقول لهم: قد مات، فيقال: إنا للّه وإنا إليه راجعون! ما رأيناه سلك به إلى أمه الهاوية. وقد رئي بعض الناس فقيل له: ما فعل اللّه بك؟ قال: أنا وفلان وفلان، وعد خمسة من أصحابه، في خير كثير ونعمة، وكان قتله الخوارج مع أصحابه المعروفين. وسئل عن جار له ما فعل اللّه به، فقال: ما رأيناه، وإنما كان هذا المنكور ألقى نفسه في اليم حتى مات غرقا، وأظنه واللّه مع قاتلي أنفسهم.
و في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال «من قتل نفسه بحديدة جاء يوم القيامة وحديدته في يده يتوجّأ بها في بطنه في بطن جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن تردّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردّى في نار جهنّم» الحديث. وكذلك المرأة تموت بحدّ، لا تزال تجد ذلك الألم حتى النفخة، فهذه حياة ثانية. وقد صح أن آدم عليه السلام لقي موسى عليه السلام فقال له: أنت الذي خلقك اللّه بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته فلم عصيته؟
قال له: يا موسى نعم، فقال له: في كم سنة وجدت الذنب قدر علي قبل فعله؟ قال له: كتب عليك قبل أن تفعله بخمسين ألف سنة، قال: يا موسى أ فتلومني على ذنب قدر علي قبل أن أفعله بخمسين ألف عام؟ وفي الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صلّى بالمرسلين ليلة أسري به ركعتين، وأنه سلم على هارون عليه السلام، فدعا له بالرحمة ولأمته، وأنه سلم على إدريس فدعا له بالرحمة ولأمته، وكان أولئك قد ماتوا وبادت أعينهم. وإنما هي الحياة الأنفس، وبعد هذا الإحياء حياة ثالثة، والحياة الأولية يوم أشهدهم على أنفسهم أ لست بربكم قالوا بلى شهدنا! ولا يعتد بالحياة الدنيوية، فإنها مسخرة للتنعم. ويروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال «النّاس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» .
فهذه أحوال الأموات إذا بادت أعينهم: منهم المستقر، ومنهم الطواف، ومنهم المضروب عليه، ومنهم المعذب، والدليل على صحة ذلك قوله تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [غافر: 46] . واليوم بيان عذاب البرزخ.
فإذا أراد اللّه تعالى قيام الساعة دون النفخ في الصور على السر الذي بيناه في الإحياء، فإذا