فهرس الكتاب

الصفحة 516 من 570

الجبال تتطاير وتسير مثل السحاب، وإذا البحار قد تفجرت بعضها في بعض، وتكورت الشمس فعادت سوداء مزبرة، وسجرت الجبال على أمثال عالم الهواء، ودخل العالم بعضه في بعض، وانتثرت النجوم كالسلك إذا انتثر من نظمه، وعادت السماء كدهن الورد تدور كدوران الرحى، والأرض قد زلزلت زلزالا شديدا تارة تنقبض وتارة تنبسط كالأديم، حتى أن اللّه يأمر بخلع الأفلاك، فلا يبقى في الأرضين السبع ولا السماوات السبع ولا في الكرسي حيّ كائن إلا وقد ذهبت نفسه، وإن كان روحانيا ذهبت روحه، وقد خلت الأرض من عمارها، والسماء من سكانها على ضروب الموحدين. ثم إن اللّه جلّ جلاله يتجلى في المقام فيقبض السماوات السبع في يمينه، والأرضين السبع الأخرى، ثم يقول اللّه عز وجل: يا دنيا يا دنية أين أربابك وأين أصحابك، منيّتهم ببهجتك وشغلتهم عن آخرتهم بزهوك، ثم يثني على نفسه بما شاء، ويفتخر بالبقاء المستمر، والعز الدائم، والملك الباقي، والقدرة القاهرة، والحكمة الباهرة، ثم يقول تعالى: لمن الملك اليوم، فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه بنفسه بأن يقول: للّه الواحد القهار. ثم يفعل فعلا أعظم من الأول وهو أن يأخذ السماوات على إصبع والأرضين على إصبع ثم يهزها ويقول سبحانه: أنا الملك الديان أين عبدة الأوثان الذين عبدوا غيري من دوني، وأشركوا بي وأكلوا رزقي، أين الذين تقووا برزقي على المعاصي، أين الجبابرة، أين من تكبر وافتخر، لمن الملك اليوم، كالمرة الأولى. ثم يمكث كذلك سبحانه وتعالى ما شاء اللّه وليس من العرش إلى المقام نسمة تلوح تعقل، وقد ضرب اللّه على آذان الحور والولدان في جنتهم. ثم يكشف اللّه سبحانه وتعالى عن بئر في سقر، فيخرج منها لهيب النار، فتشتعل في الأربعة عشر بحرا كما تشتعل النار في الصوف المنفوش، فما تدع منها قطرة واحدة، وتدع الأرضين جملة سوداء والسماوات كأنها عكر الزيت والنحاس المذاب، فإذا دنا اللهيب إن يتعلق بعنان السماء زجر اللّه النار زجرة فخمدت، ثم لا يرفع لها لهيب، ثم يفتح اللّه سبحانه وتعالى خزانة من خزائن العرش فيها بحر الحياة، فتمطر الأرض، فإذا هو كمني الرجال، فيلقى الأرض عطشى ميتة هامدة فتحيا وتهتز ولا يزال المطر عليها حتى يعمها، ويكون الماء أربعين ذراعا، فإذا جاء الأجسام تنبت من العصعص. وفي الحديث أن الإنسان يبدأ من عجب الذنب ومنه يعود، وفي رواية أخرى «يبلى المرء كلّه إلّا عجب الذّنب منه بدئ ومنه يعود» وهو عظم على قدر الحمصة ليس له مخ، فمنه تنبت الأجسام في مقابرها كما ينبت البقل، حتى يشتبك بعضها في بعض، فإذا رأس هذا عند منكب هذا، ويد هذا عند عجز هذا، لكثرة البشر. وفي معنى قوله عز وجل قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ [ق: 4] . نبهنا عليه في كتابنا الإحياء. فإذا تمت النشأة على حسبها: الصبي صبي، والشيخ شيخ، والكهل كهل، والفتى فتى، والشاب شاب، أمر الجليل جل جلاله أن تهب ريح من تحت العرش فيها نار لطيفة، فيكشف ذلك عن الأرض، وتبقى الأرض بارزة ليس فيها حدب ولا عوج ولا أمت،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت