و الأول أصح، حكيناه في"الإحياء"لأن الرسل يتفاضلون والمسيح عليه السلام من أجلهم لأنه روح اللّه وكلمته. فإذا تلا النبي صلى اللّه عليه وسلم القرآن توهمت الأمة أنهم ما سمعوه قط، وقد قالوا للأصمعي: تزعم أنك أحفظهم لكتاب اللّه تعالى، قال: يا ابن أخي يوم أسمعه من النبي صلى اللّه عليه وسلم كأني ما سمعته قط. فإذا فرغت قراءة الكتب خرج النداء من قبل سرادقات الجلال: وامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس: 59] . فيرتج الموقف ويقوم فيه روع عظيم، والملائكة قد امتزجت بالجن والجن ببني آدم. ولجّ الكل لجة واحدة. ثم يخرج النداء: يا آدم ابعث من نبيك بعثا إلى النار! فيقول: كم يا رب؟ فيقول له: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحدا إلى الجنة. فلا يزال يستخرج من سائر الملحدين والغافلين والفاسقين حتى لا يبقى إلا قدر حفنة الرب كما قال الصديق: نحو حفنة من حفنات الرب. ثم يقرب اللعين بالشياطين فمنهم من يزيغ له الميزان فإذا سيئاته ترجح على حسناته؛ وكل من وصلت له الشريعة لا بدّ له من الميزان. فإذا اعتزلوا وأيقنوا أنهم هالكون قالوا: آدم ظلمنا ومكن الزبانية من نواصينا، فإذا النداء من قبل اللّه تعالى: لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ [غافر: 17] . فيستخرج لهم كتاب عظيم يسد ما بين المشرق والمغرب فيه جميع أعمال الخلائق، فما من صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: 49] .
و ذلك أن أعمال الخلائق كل يوم تعرض على اللّه فيأمر الكرام البررة أن ينسخوها في ذلك الكتاب العظيم وهو قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: 29] . ثم ينادى بهم فردا فردا فيحاسب كل واحد منهم، فإذا الأقدام تشهد، واليدان تشهدان وهو قوله تعالى:
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وأَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [النور: 24] . وقد جاء في الخبر أن رجلا منهم يوقف بين يدي اللّه تعالى فيقول له: يا عبد السوء كنت مجرما عاصيا، فيقول: ما فعلت، فيقال له: عليك بينة، فيؤتى بحفظته فيقول: كذبوا علي، ويجادل على نفسه وهو قوله تعالى: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها [النمل: 111] . ويختم على فيه وهو قوله تعالى: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [يس: 65] . فتشهد جوارحه عليه فيؤمر به إلى النار، فيجعل يلوم جوارحه فتقول له: ليس عن اختيارنا، أنطقنا اللّه الذي أنطق كل شيء. ثم يدفعون بعد الفراغ إلى خزنة جهنم فترتج أصواتهم بالبكاء والضجيج، ويكون لهم رجة عظيمة حين يعرض الموحدون المؤمنون، فتحدق بهم الملائكة تلقى كل واحد منهم يقول: هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء: 103] . والفزع الأكبر في أربعة مواضع: عند نقر الناقور، وعند تفلت جهنم من الخزنة، وعند إخراج بعث آدم، وعند دفعهم إلى الخزنة. فإذا بقي الموقف ليس فيه إلا المؤمنون، والمسلمون المحسنون، والعارفون، والصديقون، والشهداء، والصالحون، والمرسلون، ليس فيهم مرتاب ولا منافق ولا زنديق فيقول اللّه تعالى: يا أهل الموقف من ربكم؟ فيقولون: اللّه، فيقول لهم: تعرفونه؟ فيقولون: نعم،