كان ابن مَنِيع -رحمه الله- شخصية زاهدة، عَرَف الدنيا وزخرفها الباطل وغرورها الخادع، فترفع عنها، وعزَف عن شهوة النفس ورغبتها، فلم يكن له اتصال بالخلفاء والأمراء، وآثر أن يَظَل فقيرًا، يَعِيش الكفاف -إن لم يكن الأقل- مُفَضلًا ذلك على ملابسة السلاطين والأمراء، وترك أبوابهم، لِمَا يَتْركه
يقول أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي -حفيد ابن مَنِيع-: ما لنا ولأولاد الخلفاء والأمراء، لقد مات جَدّي لأمي أحمد بن مَنِيع، وما خلف تبنة في لبنة، ولقد بِعنا جميع ما يملك سوى كتبه فما جاءت غير أربعة وعشرين درهما (٢) .
وفي مقابل هذا الزهد عن الدنيا، رأى -رحمه الله- التفرغ للعبادة - كما كان شأن السلف- والإكثار من العبادة والذكر، والدعاء، وقراءة القرآن، فقد روى الخطيب البغدادي (٣) بسنده إلى أبي القاسم البغوي قال: أخبِرت عن جَدِّي أحمد بن مَنِيع أنه قال: أنا أخْتم منذ أربعين سنة، أو نحو ذلك في كُل ثلاث (٤) .
(١) تقريب التهذيب (٨٥/ ١١٤) .
(٢) التقييد لمعرفة الرواة والسنن والمسانيد (١/ ٢١٣) .
(٣) تاريخ بغداد (٥/ ١٦١) .
(٤) يعني كل ثلاث ليال، وذلك تطبيقًا لِسُنه النبِي - صلى الله عليه وسلم - إذ قال فيما يرويه عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "لم يَفْقَه مَن قرأ القرآن في أقل من ثلاث"، أخرجه أبو داود (١/ ١٣٩٤؛ والترمذي (١١/ ٦٦ عارضة) ؛ وابن ماجه (١/ ١٣٤٧) . وقال الترمذي: هذا حديث =